روايه جديده

غباء.
بس حطيت شروط على كل جنيه.
تحويل شهري ثابت. بسبب واضح. مفيش عقود جانبية. مفيش اتفاقات مع دادات تتدخل في النفقة. مفيش ورق يتبعتلي لحد باب البيت مع السكرتارية. مفيش أي شرط يربط الفلوس بحق الرؤية أو اتخاذ القرارات.
سمعني.
وللغرابة، وافق على كل الشروط ما عدا شرط واحد.
الدادة المقيمة.
أنا مش حابب فكرة إنك تبقي لوحدك معاه طول الليل، قالها.
أنا أمه، رديت.
إنتي لسه بتتعافي.
أيوه. والستات اللي بتتعافى من حقهم يفضلوا بني آدمين براحتهم وحريتهم.
في النهاية، فريدة صاغتها بالشكل ده أي مساعدة منزلية يقترحها الأب لازم توافق عليها الأم، وتفضل تحت إدارتها وتوجيهها في وقت رعايتها للطفل.
مضيت الاتفاق النهائي تاني يوم الصبح وياسين نايم في سريره، رافع إيده الصغيرة فوق راسه كأن الاستسلام ده شيء ميعرفوش.
إيدي ماتهزتش.
لأول مرة من ساعة ما مازن ظهر على باب شقتي، حسيت بحاجة قريبة من الثبات.
مش سلام.
بس ثبات.
وده غير إيقاع كل حاجة.
مازن بقى ييجي في ميعاد الزيارات بالظبط.
بقى بيغسل إيده أول ما يدخل.
بقى بيلبس كمامة لما دكتور ياسين نصح بكده في وقت دور برد قاسې كان لافف في البلد.
اتعلم إزاي يدفّي الببرونة، إزاي يكرعه من غير ما يخبط على ضهره جامد، إزاي يحط صباعين تحت اللفة بتاعته عشان يتأكد إنه مش حران، وإزاي يهزه وينيمه من غير ما يرجّه.
عمري ما شكرته أو مدحته على ده.
دي مكنتش قسۏة. ده كان حزم. هو مكنش محتاج تسقيف عشان بيتعلم أبسط أصول الأبوة. كان محتاج التزام.
بس أنا كنت بلاحظ.
وعشان كنت بلاحظ، أخدت بالي برضه لما بطل يمسك تليفونه كل تلات دقايق وهو قاعد معاه. لما بدأ ييجي لابس بلوفرات ورافع كمامها بدل البدل الرسمية. ولما بدأ يسأل أسئلة حقيقية بدل ما يدي قرارات.
أكل قد إيه؟
الدكتور قال الصفرا بقت أحسن؟
محتاجة أجيب لبن صناعي وأنا جاي؟
أول مرة عرض فيها يعمل مشوار عملي بدل ما يتدخل بشكل استراتيجي، مروة رفعت حواجبها الاتنين لفوق لدرجة افتكرتهم هيطيروا من جبهتها.
شوفي كده، قالتلي بعد ما مشي. الراجل بدأ يتحول لبني آدم.
ضحكت من قلبي ضحكة مضحكتهاش من أسابيع.
الشتا ده، إسكندرية كشرت عن أنيابها.
المطر بقى أبرد. الرصيف بقى بيلمع من الصقيع في بعض الأيام. تيار الهوا اللي بيدخل من شبابيك شقتي بقى حرب تانية لازم أخوضها، عشان كده مازن جاب صنايعي يغير كاوتش عزل الشبابيكبس بعد ما استأذن الأول، ودفع الحساب من غير ما يقول، وبعتلي الوصل من غير أي تعليق. ده كان تصرف صغير ومظبوط لدرجة إنه هزني أكتر من أي تصرف درامي كبير.
وبعدين، في ديسمبر، ياسين سخن.
مش سخونية درامية. مش زي بتاعت الأفلام. بس كفاية إنها تخلي كل عصب في جسمي عامل زي السلك العريان.
كلمت دكتور الأطفال، لفيته كويس، وطلعت على طوارئ مستشفى الأطفال مع مروة.
بعت رسالة لمازن من صالة الانتظار بس عشان الاتفاق بيلزمني بكده، وعشان الخۏف بيخلي حتى عزة النفس تبان كأنها لعب عيال.
ياسين سخن. إحنا في الطوارئ. هطمنك.
كان هناك في سبعتاشر دقيقة.
مش لابس بدلة. مش متهندم. شعره مبلول، قميصه طالع من البنطلون تحت الجاكيت، وبينهج.
وقف على بعد خطوتين مننا كأنه كان عايز يمد إيده وياخد البيبي بس عارف إنه لسه مكسبش الحق ده من غير ما يستأذن.
قالوا إيه؟
فيرس، قلتله. هيحطوه تحت الملاحظة عشان هو مولود قبل ميعاده.
قعد جنبنا أربع ساعات على كراسي بلاستيك ناشفة تحت نور المستشفى الأبيض وياسين نايم على صدري ومروة بترمي تعليقات ساخرة على قهوة المستشفى. عمل مكالمتين شغل في الطرقة ولغى اجتماعين من غير ما يعمل دراما. راح لمكنة الحلويات وجابلي بسكوت عشان كان فاكر إن الغثيان من المسكنات كان بيتعبني بعد الولادة. ورجع بشاي لمروة من غير ما تطلب. ومقالش ولا كلمة ملهاش لازمة.
في ناس بتتغير بالاعتراف.
وناس تانية بتتغير بالتكرار.
بإنهم يظهروا مرات كفاية لدرجة إن أفعالهم بتبقى حقيقة مفيش مجال لإنكارها.
الليلة دي، لما أخيرًا رجعنا البيت وحرارة ياسين نزلت، مازن وقف جنب الباب وشكله تعبان أكتر ما شفته في حياتي.
تقدر تمشي، قلتله.
هز راسه، وبعدين اتردد. محتاجة أي حاجة؟
السؤال كان بسيط. حذر. وتقريباً فيه تواضع.
بصيت حواليا في الشقةالبطاطين اللي بتنشف على المنشر، جهاز البخار اللي شغال، الأدوية المرصوصة، اللمبة الصغيرة اللي رامية نور دافي على الحيطة. بصيت لابني، ولمروة اللي نص نايمة على الكرسي، ولجسمي اللي لسه أضعف من المفروض يكون عليه بعد الشهور دي كلها، لأن الأمومة مبتعالجكيش بالسرعة اللي الناس بتدعيها.
وبعدين قلت أصدق حاجة.
مش أي حاجة تقدر تشتريها بفلوس.
استوعب الكلمة.
ومشي بهدوء.
رأس السنة جت من غير صلح أسطوري، من غير معجزات، ومن غير ما الماضي يتكتب من جديد. بس مازن جاب لعبة خشب بتتعلق فوق السرير على شكل نجوم وكواكب عشان سمع الدكتور بيتكلم عن التحفيز البصري. استأذن الأول. وركبها صح. كانت بتلف فوق ياسين وهو متابعها بعينيه الواسعة الجادة.
الحاج محمود بعت أكل تاني.
الحاجة زينب مبعتتش حاجة.
وده كان أحسن.
على شهر فبراير، كنت بدأت أخد شغل تصميمات خفيف. استشارات لأوض أطفال. تنسيق مساحات أونلاين. مراجعة ألوان مطبخ لعروسين في المنصورة. كنت بشتغل وقت نوم ياسين وساعات وقت زيارات مازن، رغم إني كنت بفضل قريبة أسمعهم.
في يوم العصر مازن رفع عينه من على الأرض وهو بيحاول يفشل في تسلية ياسين بلعبة على شكل تعلب، وسألني عايزة ترجعي تشتغلي فول تايم؟
السؤال عصبني من حيث المبدأ.
هو أنا محتاجة إذنك؟
لأ. نزل اللعبة. مش ده قصدي.
راقبته شوية.
وبعدين اتنهدت. أنا عايزة أشتغل كفاية عشان أفتكر أنا مين غير إني جدول رضاعة وچرح عملية. ده مش معناه إني عايزة حد تاني يربيه.
هز راسه. أنا عارف.
كلمتين بساط. بس قالهم من غير ما ياخد موقف دفاعي.
وده كان يفرق كتير.
الاختبار الحقيقي جيه في الربيع.
ياسين بقى عنده سبع شهور، أصلب، لونه وردي أكتر، صوته أعلى، ومصمم يحط أي حاجة يطولها في بقه. كان واخد تكشيرة مازن لما بيتضايق وعينيا أنا، واللي حسيتها عدالة إلهية. كان بيضحك بجسمه كله. وكان بيمسك الصوابع كأنها وعود.
والحاجة زينب ظهرت تاني.
مش على بابي. في جلسة وساطة عائلية فريدة أصرت عليها بعد ما الحاجة زينب بدأت تضغط على مازن عشان تشوف حفيدها لوحدها من غير وجودي.
لبست فستان كحلي بيداري التغيرات اللي سابتها الولادة على جسمي، وشلت ملف تخين كفاية إنه يرعب أي حد عنده ذرة عقل. مازن جيه لوحده. الحاجة زينب جت بوقفة حادة كأنها مستعدة ټجرح، ومعاها نفس المستشار القانوني بتاع المرة اللي فاتت.
فريدة كان شكلها مبسوطة بده، وده يطمنك هي كانت محامية من أنهي نوع.
الحاجة زينب اتكلمت الأول.
أنا ببساطة عايزة علاقة بحفيدي.
فريدة ابتسمت ابتسامة ست مستعدة تفكك نجفة بمعلقة شاي. يبقى يمكن المفروض نبدأ بتصريحات حضرتك القديمة بإن والدته ممكن تتبدل وتتغير عادي.
الحاجة زينب اتصلبت.
مازن لف بصلها.
أنا مقلتش حاجة. فتحت بس الملف بتاعي وزقيت الورق اللي مسجلة فيه كل حاجة على الترابيزة.
تواريخ. أوقات. جمل. زيارات. سكرين شوتس.
المستشار القانوني راجعهم وبان على وشه الندم على اختياره لمهنته.
يمكن أكون اتكلمت بعاطفة شوية، الحاجة زينب قالتها.
حضرتك هددتي بالحضانة، فريدة ردت.
متابعة القراءة
صفحة
5
/ 7
انت في الصفحة 6 من 7 صفحات




