روايه جديده

من غير احترام بيبقى جوع. الحب من غير حدود بيبقى امتلاك. الحب من غير أفعال بيبقى مجرد خطبة.
اللي أنقذ سنة ابني الأولى مكنش الرومانسية، ولا الإحساس بالذنب، ولا الفلوس، ولا السمعة.
كان النظام اللي اتحط.
كان حقيقة إن في أسوأ يوم في حياتي، والمطر بينزل في طرقة عمارة في إسكندرية، وطليقي واقف متسمر قدام الطفل اللي مكنش يعرف بوجوده، أنا موسعتلوش السكة.
أنا حضنت ابني أجامد.
وخلتني أنا الباب اللي لازم يعدوا منه.
وعمري ما بطلت أعمل كده.
بعدها بشهور، لما ياسين أخد أول خطوات حقيقية ليهتلات خطوات مهزوزين بس مصممين بين الكنبة وإيديا المفتوحةمازن كان موجود.
ومروة كمان.
ياسين كان باين عليه الڠضب التام من الجاذبية، وده اللي خلى المشهد أحلى وأحلى.
اتكعبل، صلب طوله، ورمى نفسه عليا بالثقة العميا اللي مش موجودة غير عند الأطفال. لقطته على صدري، وأنا بضحك وبعيط في نفس الوقت.
مازن سقف مرة واحدة، وبعدين ابتسم بالطريقة الهادية اللي اتعلمها على مدار السنة، كأنه أخيراً فهم إن اللحظات العظيمة في العيلة مش بتبقى مبهرة عشان الناس بتشوفها. هي بتبقى مقدسة عشان في ناس شهدت عليها.
مروة مسحت عينيها وقالت بصوت عالي وهي مش بتكلم حد بعينه أيوه كده يا واد. ادخل على مستقبلك كأنك صاحب المكان.
بصيت لياسين في حضڼي، وافتكرت كل البيبان اللي الناس حاولت تفتحها على مدار السنة اللي فاتت.
بيبان المستشفى. باب الشقة. البيبان القانونية. البيبان اللي بتأدي لبيوت أكبر، وترتيبات أسهل، وقصص أنضف.
في النهاية، الباب الوحيد اللي كان يفرق هو الباب اللي ابني فتحهولي اللحظة اللي اتولد فيها.
باب لحياة الخۏف لسه موجود فيها، بس الخضوع لأ.
حياة أقدر أقول فيها لأ وأفضل متحبة من الشخص الوحيد اللي حبه بجد يفرق.
حياة أبوه يقدر يشارك فيها، بس ميفرضش سيطرته.
حياة مبقتش بتلخبط فيها بين السكوت والسلام.
في يوم العصر على نهاية الصيف التاني ده، أنا ومازن أخدنا ياسين نتمشى على البحر قبل الغروب. كانت أول مرة يشوف فيها البط من قريب، وفضل متنحلهم كأنهم اتخلقوا مخصوص عشان يمتعوه. الماية كانت عاكسة خطوط برتقاني وفضي. الناس بتجري. وعيال بتزعق من بعيد. والمدينة كان ريحتها بحر وتراب مندى، ويمكن لأول مرة، ريحتها أمل.
مازن وطى عشان يظبط طاقية ياسين الصغيرة.
هيسأل أسئلة في يوم من الأيام، قال.
أيوه.
هتقوليله إيه؟
بصيت على البحر.
الحقيقة، قلت. بس اللي تناسب سنه.
ده خلاه يبتسم. والحقيقة اللي هي إيه؟
بصيتله. إنه كان مرغوب فيه. وبشدة. وإن الكبار عملوا غلطات حواليه. وإن أمه حاربت عشانه. وإن أبوه اتعلم متأخر، بس حاول ميفضلش متأخر.
طلع نفس بطيء. وده عدل برضه.
مشينا كمان شوية في سكوت.
وبعدين ياسين شاور على الماية وزعق بكلمة كان صوتها قريب من مركب، رغم إنها ممكن تكون كانت طير أو أزرق أو مجرد أي كلام مش مفهوم مليان بهجة لطفل مبهور بحجم الدنيا.
ضحكت ورفعته لفوق أكتر عشان يشوف.
ورانا، المدينة كانت لسه بتتحرك. وقدامنا، الطريق بيلف مع البحر وبيختفي ورا الشجر.
مش كل النهايات بتبان كأنها الخاتمة.
بعضها بيبان كأنه طريق إنتي أخيراً بقيتي قوية كفاية إنك تمشي فيه من غير ما تتهزي.
ودي كانت نهايتي.
مش رجوع وصافية لبن. مش اڼتقام. ولا قصة خيالية.
حاجة أحسن من كده.
أم مختفتش من الصورة.
أب اتعلم إن الاهتمام لازم يركع الأول قدام الاحترام.
وطفل هيكبر وهو عارف إنه عمره ما كان ڤضيحة، عمره ما كان فخ، عمره ما كان ورقة مساومة، ولا سلاح عيلة.
بس ياسين.
ابني. بقلم انجي الخطيب
الطفل اللي حضنته لما الحياة القديمة خبطت على بابي بدعوة فرح، واكتشفت، بعد فوات الأوان، إني كنت أخدت قراري واخترت مستقبل مختلف.
والمرة دي، مفيش حدلا حزن، ولا فلوس، ولا كبرياء، ولا إرثهيقدر ياخده مني.
تمت بقلم الكاتبة انجي الخطيب




