بعد تلت سنين في السجن

لمحة نيوز

وقال:
“إنت سيف… صح؟”
جسمي كله اتجمد.
قولتله:
“إنت عرفت اسمي إزاي؟!”
بص حواليه يتأكد إن مافيش حد سامعنا.
ووطى صوته وقال:
“لأن أبوك سلمني الأمانة دي… وقاللي لو ابنه جه في يوم يدور عليه، أديهاله.”
طلع من جيبه ظرف أصفر قديم.
جواه جواب…
ومفتاح قديم.
المفتاح متعلق فيه ورقة صغيرة مكتوب عليها:
“مخزن رقم 108.”
بصيتله وأنا مش فاهم.
قولت:
“طب… هو أبويا مدفون فين؟”
بلع ريقه وقال بصوت مرتعش:
“مش هنا… ولو عايز تعرف الحقيقة، أوعى ترجع لست سهير دلوقتي.”
فتحت الجواب بسرعة.
وأول سطر فيه كان كفيل يوقف قلبي.
“يا سيف… لو قريت الجواب ده، يبقى سهير بدأت تكدب عليك.”
في اللحظة دي…
فهمت إن حكاية موت أبويا…
ما كانتش نهاية.
دي كانت أول خيط في سر، هيقلب حياتي كلها.
تجمدت الدماء في عروقي، نظرت إلى “أحمد” زوجي الذي كان يحدق في أمه بذهول، ثم تحولت عيناه إلى بركان من الغضب المكتوم وهو ينظر إليّ، وكأن العالم من حوله توقف. الكلمة التي قالتها حماتي “أنت اللي وعدتني” لم تكن مجرد زلة لسان، بل كانت خنجراً طعنني في قلبي أكثر من السم الذي تناولتُه لسنوات.
صمت أحمد كان أشد وطأة من الصراخ. سحب الكوباية من يدي ببطء، وشمّها، ثم نظر إلى البرطمان الصغير الذي ما زال على الرخامة. الست صالحة، التي كانت بالأمس القريب تمثل لي صورة “الأم”، انتصبت قامتها فجأة، اختفت رعشة الجلطة المصطنعة، وبدأت ملامحها تتحول إلى وجه غريب لا أعرفه.. وجه بارد، بلا رحمة.
— “يا أحمد، كنت لازم أخلص منها، البيت ده بيتي، وورثك هو ورثي، وهي كانت مانعاك تبيع البيت وتجوزني بنت أخويا اللي هتريحني وتخدمي في كبري، مش زيها، غريبة وجاية تاخدك مني!”.. قالتها بكل وقاحة، وكأنها تتحدث عن التخلص من قطة ضالة.
التفتُّ لأحمد، منتظرة أن يثور، أن يصرخ، أن يدافع عني.. لكنه ظل صامتاً. نظراته كانت تتنقل بيني وبين أمه، وبين “نور” التي كانت تحتضن فستاني بخوف. هنا فهمتُ الحقيقة المرة: أحمد لم يكن مغيباً، كان شريكاً. السم لم يكن لإنهاء حياتي فحسب، كان وسيلة لـ “تغييري” أو “إضعافي” لأقبل بأي وضع يفرضه عليّ، ولأبقى حبيسة هذا المنزل، مريضة لا تقوى على الاعتراض.
ركضتُ نحو غرفة النوم، أغلقتُ الباب على نفسي ونور، وسمعتُ صوت شجار مكتوم بالخارج. أحمد كان يصرخ في أمه، لا دفاعاً عني، بل خوفاً من الفضيحة.. “انتي اللي بوظتي كل حاجة!”، صوته كان يرتجف.
فتحتُ دولابي، ليس لأهرب، بل لأواجه. أخرجتُ هاتفي، وفتحتُ تطبيق الكاميرا الذي ربطتُه بهاتفي، وبدأتُ ببث مباشر لكل ما حدث منذ اللحظة التي وضعت فيها “السم” في الشاي، وكل كلمة اعترفت بها. لم أكن أهتم بالعواقب، كنت أهتم بأن يعرف الجميع حقيقتهم قبل أن يغلقوا عليّ الأبواب للأبد.
فجأة، انقطعت الكهرباء عن الشقة بالكامل. سمعتُ صوت فتح باب الشقة الخارجي، وصوت خطوات غريبة، لم تكن خطوات أحمد ولا صالحة. كان هناك طرف ثالث.. “رمضان السنوسي”.
نظرتُ من فتحة الباب، رأيتُ رجلاً ضخم الجثة يقف في الصالة، وبيده هراوة، وأحمد يقف بجانبه وهو يمسح العرق عن جبينه. سمعتُ الست صالحة تهمس للرجل: “اخلص منها ومن البت، البيت لازم يفضل فاضي قبل الفجر”.
أدركتُ حينها أنني لستُ في مواجهة “حماتي”، بل في مواجهة عصابة كاملة لا تريد ورثاً فحسب، بل تريد التخلص من شاهدة على جرائم أكبر بكثير.. جرائم كانت تتم داخل هذا البيت الهادئ.
نظرتُ إلى “نور”، همستُ في أذنها: “ادخلي تحت السرير، ولا تخرجي مهما حصل، حتى لو سمعتِ صوتي”. ثم سحبتُ من حقيبتي الصغيرة “بخاخ الفلفل” الذي كنتُ اشتريته للأمان في طريق الجامعة، وأمسكتُ بسكين المطبخ الذي كنتُ قد خباتُه في غرفتي منذ أيام، عندما بدأتُ أشك في تصرفاتهم.
الباب بدأ يُفتح ببطء.. ليس أحمد، بل “رمضان”. في تلك اللحظة، لم تعد “سما” الطالبة الرقيقة التي تهتم بأناقتها وتعتني بجمالها؛ تحولتُ إلى لبؤة تحمي شبلها. طعنتُ الهواء بالسكين، وأيقنتُ أن الليلة لن تنتهي إلا بواحدة من اثنتين: إما أن نخرج أنا ونور أحياء، أو أن هذه الجدران التي بنيتُ فيها ذكريات عشر سنين، ستكون هي نفسها مقبرتي.. لكنني لن أموت وحدي، سأحرق الأخضر واليابس معهم.
أحمد دفع الباب بقوة.. ونظرتُ في عينيه، لم أرَ زوجي، بل رأيتُ عدوي الأول. ابتسمتُ بمرارة وقلت: “خسارة العشر سنين في شخص زيك”.
قفزتُ نحو الباب.. والضوء في الصالة كان خافتاً، والليل كان طويلاً، طويلاً جداً.
​اندفعتُ بكل قوتي، لكن أحمد كان أسرع، أمسك يدي بقوة لدرجة أن السكين سقطت على الأرض. في تلك اللحظة، رنّ هاتفي فجأة.. كان تنبيهاً من “منى”، صديقتي في المعمل. كنتُ قد ضبطتُ الهاتف ليرسل “لوكيشن” الشقة وتسجيلاً صوتياً لكل ما يدور فور انقطاع الكهرباء أو عند إرسال إشارة استغاثة مشفرة.
​صوت صفارات الشرطة بدأ يتردد في الشارع الهادئ، وكأنها سيمفونية خلاص. الست صالحة تجمدت

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *