تضحيه اخواتي بقلم اماني السيد

ـ “يا ابنتي.. العقد ده مش مجرد زواج، ده رد اعتبار وصون لكرامة ست شالت بيت كامل على كتافها.. بطاقتك وأوراقك يا بنتي على بركة الله.”
في اللحظة دي بالذات.. سمعت صوت حركة على السلم، وباب الشقة المفتوح يظهر منه خيال شخص واقف ورا السور..
لفت وشي.. لقيت مدحت أخويا واقف على البسطة!
وشه أصفر، عينيه منفوخة من القهر وندم الليل، لابس هدومه اللي لمها في الشنطة ومتبهدل.. جايب أمه وأبوه في خاطره اللي ماتوا عشان يترجاني، بس بقى واقف بره، مش قادر يعتب عتبة الباب اللي كان فاكر إنه هيرميني بره منها!
بصلي بعيون ذليلة ينطق منها التوسل، وكأنه بيستنجد بأخته القديمة اللي كانت بتسامح في حقها..
بصيت له بكل برود الدنيا، وجرّيت النظرة منه بالراحة، وكأني ببص لسراب مالوش وجود!
قعدت على الكرسي جنب عبد الرحمن، حطيت بطاقتي وإيدي في إيد المأذون، وقلت بصوت هز أركان الصالة ووصل للشارع تحت:
ـ “اكتب يا مولانا.. على بركة الله وعلى سنة رسوله، وبحق كل نقطة عرق صانت البيت ده!”
انطلقت زغروطة مدوية من جارتنا أم أحمد اللي سمعت باللي حصل ونزلت تشاركني الفرحة، صوتها صحى الحارة كلها وخلا الجدران ترن بالنصرة!
المأذون حط المنديل الأبيض على إيدي وإيد عبد الرحمن، وبدأ يملينا كلمات عقد الزواج..
كلام ربنا كان ينزل على قلبي زي المية الباردة تطفي نار السنين، وعبد الرحمن ماسك على إيدي بقوة ودفا، وكأنه بيبصم معايا على عهد جديد: إن الزمان اللي اتظلمت فيه انتهى، وإن اللي جاي هو العوض.
مدحت كان لسة واقف على السلم، مش قادر يتحرك ولا قادر يهرب من جحيمه.
شاف القلم وهو بيلف في إيدي وأنا بوقع باسمي على الورق الرسمى..
شاف نظرات رجال العيلة وهم بيبصوله باقتدار وازدار، كأنه غريب مالوش مكان بين أهل المروءة والجدعنة.
أول ما الشيخ قال: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”، عبد الرحمن وقف، وباس على رأسي قدام الكل، وقال بصوت جلي سمع اللي جوة واللي برة:
ـ “مبروك يا أميرة البيت.. من النهاردة كرامتك من كرامتي، وضهرك هو ضهري، وما عاش ولا كان اللي يفكر يوطي لك راس أو يقل منك في بيتك!”
في اللحظة دي، مدحت ما قدرش يستحمل أكتر من كده..
انحنى وجر شنطته المبهدلة على درجات السلم، وصوت عجل الشنطة وهو بيخبط في الخرسانة كان بيعلن خروجه الأبدي من حياتي.. نزل الشارع اللي كان عايز يرميني فيه، وخرج من الشقة اللي افتكر في يوم إنه يقدر يجردني منها!





