تضحيه اخواتي بقلم اماني السيد

ـ “الدين والرحمة؟! أنت افتكرت الدين والرحمة لما رمت حاجتي في الممر؟ ولا افتكرتهم لما قولتلي عجزتي واتطفتِ وادخلتيني خدامة تحت رجل مرتك؟!

أنت اللي دافنت الرحمة بإيديك يا مدحت.. واليد اللي دفنتها مش هي اللي هتطلعها من التربة عشان ترحمك!

الرحمة اللي تعرفها ماتت يوم ما حطيت كراتين عمري تحت رجليك.. ودلوقتي ما فيش غير القانون والعدل.”

بص للكراتين المرمية في الممر، وبعدين بص لشنط هدومه في الأوضة.. أدرك إن القصة اتقتلت خلاص، وإن الصفحة اتقلبت وما فيش خط رجعة.

بدأ يتحرك بذهول كأنه بيتحرك في كابوس، إيديه بتترعش وهو بيلم هدومه وبيحطها في الشنط بعشوائية.. كان بيلم بقايا القوة الوهمية اللي عاش فيها، وكل قطعة هدوم بياخدها كان بيحس إنها قطعة من كرامته اللي اتهرست تحت جزمة قسوته.

وقف عند باب الأوضة وهو ساحب شنطته في إيده، بصلي بعينين مكسورة مليانة خيبة وأمل حزين إنه يلمس ولو ذرة حنان قديمة:

ـ “أنا ماشي.. ماشي يا أختي.. بس افتكري إنك أنتِ اللي اخترتِ تقفلي الباب في وشي.”

قربت منه بثبات، وبصيت في عينيه بنظرة أخيره حسمت كل حاجة:

ـ “الباب ده ما اتقفلش في وشك.. الباب ده اتقفل في وش الجحود وقلة الأصل!

أنت اللي هديت البيت اللي لمّك، وأنا اللي هبني حياتي فيه من جديد مع اللي يقدرني ويصون كرامتي..

انزل يا مدحت، واعرف إن الشارع اللي كنت عايز ترميني فيه.. هو المكان الوحيد اللي يليق بلي يبيع أخته!”

سحب شنطته، ونزل درجات السلم وخطواته تقيلة كأنها سلاسل.. ومع كل خطوة كان صوت الباب الخارجي للعمارة بيرن في ودني، كأنه إعلان لولادة جديدة ليا!

قفلت باب الشقة ورايا، ولفيت ظهري للمكان اللي اتغيرت ملامحه.. وبصيت للصالون المذهب وللأركان الملمعة بعرقي، وابتسمت لأول مرة من سنين طويلة.. ابتسامة ست استردت حقها، ودقّت أول مسمار في بيت فرحتها الجديدة!

قفلت الباب، وحطيت ضهري عليه.. وسندت راسي لورا وأنا باخد نفس عميق، نفس طالع من قعر صدري المحروق، كان طعمه مختلف.. طعم الحرية اللي اتحرمت منها سنين، طعم الكرامة اللي رجعت أتنفسها بعد ما كانت اندفنت تحت كعب الجحود.

الهدوء نزل على الشقة فجأة.. هدوء مرعب بس مريح.

بصيت للصالة المتلمعة، للصالون المذهب اللي كان مفرش للغدر، وللأركان اللي كنت بموت فيها كل يوم ألف مرة وأنا بمسح ترابها بدموعي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *