زوج تحت الشبهات

​وطى باس جبهتك، بوسة طويلة وباردة، وبعدين قام ووقف عند باب الأوضة. التفتلك لآخر مرة، وساب الباب مفتوح موارب، ومشي في الطرقة. سمعتِ صوت خطواته الهادية في الصالة، وبعدها صوت الباب الخشب الكبير وهو بيتفتح ويتقفل ببطء، وصوت التكة بتاعة الترباس وهو بيتفعل من برة… أو يمكن اتقفل وبس.
​أول ما الصوت اختفى، حسيتِ إن الهوا رجع لرقتك مرة واحدة. أخدتِ نفس طويييل وعميق وكأنك كنتِ محبوسة تحت المية. قلبك كان بيدق بجلطية مرعبة، ودقاته كانت مسموعة في الأوضة الفاضية زي طبول الحرب.
​”مين ده؟” السؤال ده كان بيلف في دماغك زي الدوامة. مين الراجل اللي كان واقف تحت المطر وش وشه متخرشم وبيترجاكي تفتحي الباب؟ ومين الراجل اللي دخل الشقة بدم بارد وابتسامة حنينة وواثقة؟
​افتكرتِ الشريط كله من الأول… من كام شهر فاتوا. افتكرتِ كرم القديم، الراجل اللي كان مبهدلك معاك، القاسي، اللي كان بيمشي في السكة الشمال وبيجرحك بكل كلمة وكل تصرف، الراجل اللي كنتِ بتدعي ربنا كل ليلة إنه إما يتعدل أو يفك كربك منه. وفجأة، في ليلة واحدة، رجع البيت متجهم وفي عينيه نظرة ذنب وندم مش طبيعية، ومن الليلة دي كل حاجة اتغيرت! اتغير بدرجة 180 درجة.. بقى الحنين، الزوج المثالي، الراجل اللي مش بيخليكي تلمسي كوباية في البيت، الراجل اللي نظرته ليكي كلها حب وعشق يجنن…
​هل المعجزة دي مكنتش معجزة؟ هل الراجل اللي عاش معاكي الأشهر اللي فاتت دي كلها… مكنش كرم اصلاً؟!
​الأفكار كانت بتنهال على عقلك زي السيل. القشعريرة مسكت في جلدك. قمتِ من على السرير بالراحة، حافية القدمين، وخطواتك كانت متدارية ومفيش ليها أي صوت. مشيتِ ناحية باب الأوضة وطلعتِ عينك من الفتحة المواربة. الصالة كانت ضلمة، ومفيش أي حركة.
​اتحركتِ بشويش، ساندة إيدك على حيطة الطرقة عشان ركبك كانت بتخبط في بعضها ومش شايلاكي. وصلتي لشباك الصالة اللي شفتِ منه الراجل من شوية. شدتي الستارة بحذر شديد، وطلعتِ بصيتي لبرة.
​الشارع تحت كان فاضي تماماً، المطر نازل بغزارة يغرق الدنيا، والمية مغطية الرصيف. الشوارع في المنطقة كانت هادية ومفيش بني آدم ماش في الساقعة دي. بصيتِ يمين وشمال، مفيش أثر للراجل المبلول المضروب، ولا أثر لكرم اللي لسة نازل!
​وفجأة… وراء ظهرك… سمعتِ صوت تزييق خفيف في الصالة!
​اتسمرتِ مكانك، والدم هرب من وشك بالكامل. التفتِ ببطء وشديد الحذر، وكأنك خايفة تشوفي ملك الموت وراكي. بس الصالة كانت فاضية… أو ده اللي كنتِ فاكراه، لحد ما لمحتِ ظل طويل المدى وممتد على الحيطة عند المطبخ!
​حد جوة الشقة!
​حبستِ أنفاسك، وإيدك راحت التلقائي على بطنك المنتفخة، تحمي الجنين اللي جواكي بكل غريزة أمومة اتولدت فيكي. خطوات صغيرة وبطيئة جداً قربت من فتحة المطبخ… وضهر بني آدم بدأ يبان.
​كان راجل مبلول، هدومه بتنزل مية على أرضية الصالة. وشه كان معتم في الضلمة، بس لما إضاءة الرعد ضربت في الشباك، كشفت وشه لثانية واحدة…
​كان هو! الراجل المضروب اللي كان برة الشباك!
​صريخة كانت هتنزل من زورك، بس كتمتيها بأيدك الاتنين بسرعة. الراجل التفت ناحيتك فجأة لما حس بحركتك، وعينيه المتوسعة الخايفة اتلاقت مع عينيكي المرعوبة.
​”سما…” هتاف واطي ومبحوح طلع منه، صوت مخنوق بالبكاء والخوف. قرب منك بخطوات مكسورة ومستعجلة، وهو بيمد إيده اللي كانت بترتعش وبتنزف من عند العقل: “سما.. أرجوكِ متصرخيش.. أنا كرم.. والله العظيم أنا جوزك!”
​رجعتِ خطوة للوراء، ضهرك خبط في حيطة الصالة، وعينيكي رايحة جاية بين وشه المضروب المليان جروح وكدمات، وبين باب الشقة اللي اتطرد منه التاني من شوية.
​”أنت… أنت مين؟” طلعتِ الكلمة منك بالعافية، بتهزجي ومش قادرة تتنفسي. “مين اللي كان هنا من شوية؟ وزيك بالظبط ليه؟! أنت بتعمل إيه هنا؟!”
​الراجل — أو كرم المجهول — نزل على ركبه قدامك على الأرضية المبلولة، ومسك طرف جلبابك أو هدومك بلهفة وتوسل كأنه غرقان وبيتعلق بقشة: “أنا كرم يا سما! كرم اللي اتجوزتيه من ثلاث سنين.. كرم اللي كان حمار ومبيفهمش وكان بيأذيكي وبيخونك! أنا عارف إني كنت زفت معاكي، عارف إني كنت توكسيك وجرحتك كتير.. بس والله العظيم أنا جوزك الحقيقي!”
​دموعه اختلطت بالمية اللي نازلة من شعره المبلول على وشه، وكمل بصوت بيترعش من البرد والخوف: “من أربع شهور… من أربع شهور يا سما، وأنا راجع بالليل، اتخطفت! ناس طلعوا عليا وفقدت الوعي، ولما صحيت لقيت نفسي محبوس في بدروم تحت الأرض.. محبوس ومتربط بسلاسل! والراجل ده… الراجل اللي كان عندك جوة ده… كان بيجيلي كل يوم!”
​عقلك اتوقف عن الاستيعاب. “بيجيلك؟ يعني إيه بيجيلك؟!”
​”كان بييجي يقعد قدامي بالساعات!” كرم كان بيبكي بحرقة، وصوته يقطع القلب: “كان بياخد باله من كل كلمة بقولها، بيسجل نبرة صوتي، بيسألني عن كل تفصيلة في حياتنا، عن ذكرياتنا، عن أهلي، عنك أنتِ بالذات يا سما! كان بيسألني بتحبي إيه وبيكره إيه، الأكلات اللي بتفضليها، الطريقة اللي بتنامي بيها… كان بياخد كل حاجة مني بالعافية بالضرب والتعذيب عشان يتقن دوري بالظبط!”
​سما كانت حاسة إن الأرض بتلف بيها. الكلام كان زي الصدمة الكهربائية اللي بتهز كيانها كله. افتكرتِ كل حاجة… افتكرتِ ازاي من أربع شهور اتغير فجأة؟ ازاي بقى يعرف كل حاجة بتحبيها؟ ازاي بقى يطبخلك الأكل اللي بتحبيه بالظبط بالبهارات اللي كنتِ بتطلبيها زمان وكان يطنشك؟ ازاي بقى يستحمل عصبيتك وهرموناتك ببال طويل جداً مش بتاع كرم القديم خالص؟!
​”طب… طب هو مين؟” سألتي بصوت واطي جداً وكأنك خايفة حد يسمعك، “وليه يعمل كل ده؟! ليه يأخذ مكانك وييجي يعيش معايا أنا؟!”
​كرم رفع وشه المضروب بصعوبة، وعينيه المجهدة بصت في عينيكي بأسى رهيب: “علشان يوصل لفلوس وأوراق أبويا الله يرحمه يا سما! الورق اللي كان متسجل باسمي والأسهم اللي في الشركات.. هو كان محتاج وقت عشان ينقل كل حاجة باسمه من غير ما حد يشك فيه. وكان عارف إن لو دخل عليكي بشخصيتي القديمة العصبي والمشاغب، كنتِ هتشكي أو تطلبي الطلاق وتسيبيه وميعرفش يوصل لغرضه! فقرر يمثل دور ‘الزوج التايب’ اللي رجع لعقله وحبه لمراته عشان يضمن إنك جنبه ومطمنة، ومحدش من أهلي أو أصحابنا يشك في تصرفاته!”
​سما حطت إيدها على بؤها، والصدمة شلت حركة أفكارها. كل الحنية… كل الحب… كل النظرات الدافية والورود والأحضان اللي عاشتها الأربع شهور اللي فاتوا… كانت مجرد كذبة؟ مجرد تمثيلية محبوكة من مجرم محترف واخد شكل جوزها؟!
​والأدهى والأمر…
​عينيكي نزلت التلقائي لبطنك. الطفل اللي جواكي ده… ابن مين؟!
​كرم لمس حيرتك ورعبك القاتل لما بص لبطنك، ودموعه زادت: “أنا… أنا قدرت أهرب النهاردة بالليل.. الحارس اللي كان واقف عليا سكر ونام، واستغليت الفرصة وكسرت القفل وجريت في المطر والضلمة حافي ومضروب عشان أجيلك أحذرك منه قبل ما يكمل مخططه ويهرب بيكي أو يخلص منك ومني!”
​سما بدأت تبكي بهستيرية، وجسمها يترعش. “طب والطفل ده… اللي في بطني؟”
​كرم بص لبطنك بألم يعصر القلب، بلع ريقه وصوته اتقطع: “أنا… أنا معرفش يا سما.. معرفش. بس اللي أعرفه إننا لازم نمشي من هنا حالاً! الراجل ده مش سهل، ده مجرم ومش هيتردد يقتلنا إحنا الاتنين لو عرف إن أمره اتكشف!”
​وفي اللحظة دي بالذات…
​صوت مفتاح بيتلف في قفل الباب الخارجي!
​الزمن وقف. قلوبكم أنتم الاتنين وقفت عن النبض.
​كرم المضروب اتخشب على الأرض، وعينيه أملتها رعب مش طبيعي. بص لكي بلهفة مجنونة وشاورلك بـ “أش” بأصبعه على شفايفه.
​الباب بدأ يتفتح ببطء شديد.
​سما، بدون ما تفكر، مسكت كرم من دراعه بقوة وسحبته ناحية المطبخ الضيق بسرعة ولطف، وخليتيه يستخبى ورا التلاجة في الزاوية الضلمة اللي محدش بيشوفها بسرعة. ورجعت هي تقف في نص الصالة، بتحاول تتنفس وشفايفها بترتعش، ودموعها جفت من كتر الخوف.
​باب الشقة اتفتح على آخره.
​دخل كرم المزيف… أو الراجل اللي عاشت معاه أجمل أربع شهور في حياتها.
​كان ماسك في إيده شنطة سوداء كبيرة، وهدومه مبلولة من المطر. وعلى وشه… مكنتش الابتسامة الدافية إياها. كان وشه جامد، وعينيه فيها نظرة شريرة ومتوترة، حادة زي الموس.
​أول ما شافها واقفة في نص الصالة في الضلمة، ثبت مكانه. نظراته طافت في المكان ببطء شديد، وركزت على الأرضية…
​كانت فيه آثار أقدام مبلولة بالمية والطين جاية من الشباك ورايحة ناحية المطبخ!
​سما حسيت إن قلبها هيقف خالص. حاول تغطي على الآثار برجلها أو تتكلم، بس صوتها اتخنق.
​كرم المزيف حط الشنطة السوداء على الأرض ببطء، والصوت المكتوم للشنطة يوحي إن جواها حاجة تقيلة… تقيلة أوي.
​رفع راسه وبص لـ سما، والابتسامة الدافية المرعبة رجعت ترتسم على شفايفه ببطء، ابتسامة خلت الدم يتجمد في عروقها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *