فتحتِ عينيكي ببطء شديد على ريحة المطهرات وضوء أبيض قوي زغلل رؤيتك. حسيتِ بإيد دافية ماسكة إيدك بقوة، ولما الرؤية وضحت، لقيتِ أخوكي قاعد جنبك على كرسي المستشفى وعينيه حمرا من الخوف والقلق عليكي. أول ما شافك فتحتِ عينيكي، اتنهد براحة وباس راسك وقال لك الحمد لله إنك بخير أنتِ واللي في بطنك. بس قبل ما تلحقي تسأليه إيه اللي حصل وإزاي وصلتي هنا، باب الأوضة خبط ودخل ظابط مباحث بوش جاد وملامح مرهقة، طلب من أخوكي يسيبكم لوحدكم خمس دقايق، وقرب من سريرك وهو بيسحب كرسي ويقعد. الظابط قال لك بهدوء إن البوليس لحق الموقف في آخر لحظة وقبضوا على الاتنين، وإنهم في القسم دلوقتي. المشكلة إن الاتنين متطابقين بشكل مرعب، لدرجة إنهم شاكين إنهم توأم متماثل اتفرقوا من صغرهم من غير ما أهل كرم يعرفوا، أو إن في عملية تجميل معقدة جداً اتعملت، والتحقيقات وبصمات الـ دي إن إيه هتاخد أيام عشان تثبت مين فيهم كرم الحقيقي ومين المنتحل. بس هما محتاجين شهادتك أنتِ ضروري، محتاجين الزوجة اللي عاشت معاه تفصل في الكارثة دي لحد ما الأدلة الجنائية تطلع. قلبك دق بسرعة، وطلبتِ من الظابط إنك تشوفيهم هما الاتنين مع بعض. بعد كام ساعة، كنتِ قاعدة على كرسي متحرك ورا إزاز مراية في غرفة تحقيق، الظابط واقف وراكي، والاتنين قاعدين على ترابيزة واحدة ومتبتین في الكلبشات. الاتنين وشوشهم مليانة كدمات من خناقة امبارح، ونفس النظرة المترقبة. الظابط فتح المايك عشان صوتك يوصلهم وصوتهم يوصلك. بمجرد ما شافوكي من ورا الإزاز، الاتنين قاموا وقفوا في نفس اللحظة ونطقوا اسمك بلهفة وتوسل. بصيتِ ليهم بتركيز، دموعك كانت متجمدة في عينيكي، وقلبك مقبوض. سألتيهم بصوت متقطع بس مسموع: “يوم ما عرفت إني حامل… أول حاجة قولتهالي إيه؟” الراجل اللي على اليمين، اللي ملامحه كانت أهدى شوية، رد بسرعة وابتسامة حنونة إياها ظهرت على وشه رغم الكدمات: “أخدتك في حضني وقولتلك إن دي أعظم هدية ربنا رزقني بيها، وإني هعوضك عن كل الأيام الصعبة اللي عشناها وهخليكي أسعد واحدة في الدنيا يا سما.” الراجل اللي على الشمال، اللي كان بيبص لك بحسرة وكسرة، سكت لحظة… وبعدين وشه احمر ودموعه نزلت وقال بصوت مخنوق وتعبان: “أنا… أنا مكنتش معاكي يا سما. أنا مكنتش أعرف إنك حامل أصلاً غير امبارح لما هربت وشوفت بطنك! يوم ما عرفتِ إنك حامل… أنا كنت مربوط في بدروم تحت الأرض والكلب ده هو اللي كان بياخد مكاني وحضنك!” الظابط بص لك مستني إشارتك. الحقيقة كانت واضحة زي الشمس. الراجل اللي على الشمال هو كرم الحقيقي، جوزك اللي جرحك وأذاكي زمان، بس هو اللي دمه ولحمه حقيقي ومفيش فيه تمثيل. والراجل اللي على اليمين هو المجرم، اللي أتقن دور العاشق الولهان عشان يسرق كل حاجة، حتى مشاعرك. شاورتِ بصباعك المرتعش على الراجل اللي على الشمال وقولتِ للظابط وإنتِ بتنهجي: “اللي على الشمال هو جوزي… التاني ده هو الكداب.” المجرم اللي على اليمين ابتسامته اختفت تماماً، ووشه اتحول لكتلة من الغضب البارد، وبص لك بنظرة خلت روحك تنسحب منك، قبل ما العساكر يدخلوا يسحبوه لبرة الأوضة وهو بيبتسم لك ابتسامة أخيرة مليانة شر. كرم الحقيقي نزل على ركبه وهو بيبكي وبيشكر ربنا إنك صدقتيه، وبيوعدك بصوت عالي وإنتِ ورا الإزاز إنه هيتغير بجد وإنه هيمحي كل وجع سببهولك. رجعتِ البيت بعد أيام، البيت كان هادي وفاضي وموحش. كرم كان بيحاول بكل طاقته يثبتلك إنه اتغير بعد تجربة الخطف المرعبة اللي عاشها، كان بيحاول يكون الحنين، بيحاول يعوضك عن كل قسوته القديمة. بس كل ما كان بيقرب منك ويطبطب عليكي، أو يبتسملك بحنية ويقولك كلام حلو… كنتِ بتشوفي وش المجرم. كل لمسة منه كانت بتفكرك بالليالي اللي نمتي فيها مطمنة في حضن راجل غريب بيمثل الحب. الأمان اللي كنتِ بتدوري عليه انكسر للأبد. كرم رجع، بس سما اللي كانت قادرة تديله فرصة تانية ماتت في الليلة دي. وبقيتِ عايشة في بيت واحد مع راجل، كل ما بيبصلك في عينيكي بحنية، بتسألي نفسك في سرك برعب مكتوم بيخليكي متناميش الليل… يا ترى هو اتغير بجد؟ ولا اللي اتقبض عليه ده… كان هو كرم الحقيقي؟مشيت معاه بخطوات متقلة، كأن رجليكي متثبتة في الأرض بخرسانة. كل خطوة للغرفة كانت بتحسسك إنك ماشية لعرين أسد ساكت ومستني الفرصة عشان ينقض. كرم — أو الكائن اللي واخد شكل كرم — كان ماسك وسطك بحنية مفرطة، حنية مسمومة خلت قشعريرة تسري في جسمك كله. دخلتوا الأوضة، النور كان هادي، وصوت المطر برة لسة بيخبط في إزاز الشباك بزنة كئيبة، متقطعة مع صوت الرعد اللي كان بيهز البيت كل بضع ثواني. قعدك على السرير ببطء، ومال عليكِ وغطاكي باللحاف وهو بيبصلك بابتسامة هادية، بس عينيه… عينيه مكنتش بتضحك. كان فيها نظرة باردة، نظرة حد بيفحص لعبة في إيده وشايفها بدأت تبوظ أو تفهم أكتر من اللازم. ”استريحي يا حبيبتي، ومتفكريش في أي حاجة تقلقك.. هرمونات الحمل ساعات بتخلي الواحدة تتخيل حاجات غريبة، والجو برة أصلاً يرعب أي حد.” قالها وهو بيمشي صوابعه على شعرك بحركة بطيئة جداً، كأنه بيحاول يهديكي، بس اللمسة نفسها كانت كفيلة تخلي دمك يتجمد. بلعتِ ريقك بالعافية، وحاولتِ تطلعي صوتك طبيعي ومش بترتعشي: “أنت… أنت نازل تاني ليه في المطر ده يا كرم؟ الساعة عدت واحدة بالليل، والجو برة تلج ومطرة مش طبيعية.” الابتسامة اللي على وشه وسعت سنّة، ونزل إيده من على شعرك لكتفك، وطبطب عليه بالراحة: “مصلحة صغيرة كده يا سما.. شغل مستعجل ولازم أخلصه عشان أرجعلك وأنا بالي رايق. مشتغليش بالك أنتِ، غمضي عينيكي ونامي.” وطى باس جبهتك، بوسة طويلة وباردة، وبعدين قام ووقف عند باب الأوضة. التفتلك لآخر مرة، وساب الباب مفتوح موارب، ومشي في الطرقة. سمعتِ صوت خطواته الهادية في الصالة، وبعدها صوت الباب الخشب الكبير وهو بيتفتح ويتقفل ببطء، وصوت التكة بتاعة الترباس وهو بيتفعل من برة… أو يمكن اتقفل وبس. أول ما الصوت اختفى، حسيتِ إن الهوا رجع لرقتك مرة واحدة. أخدتِ نفس طويييل وعميق وكأنك كنتِ محبوسة تحت المية. قلبك كان بيدق بجلطية مرعبة، ودقاته كانت مسموعة في الأوضة الفاضية زي طبول الحرب. ”مين ده؟” السؤال ده كان بيلف في دماغك زي الدوامة. مين الراجل اللي كان واقف تحت المطر وش وشه متخرشم وبيترجاكي تفتحي الباب؟ ومين الراجل اللي دخل الشقة بدم بارد وابتسامة حنينة وواثقة؟ افتكرتِ الشريط كله من الأول… من كام شهر فاتوا. افتكرتِ كرم القديم، الراجل اللي كان مبهدلك معاك، القاسي، اللي كان بيمشي في السكة الشمال وبيجرحك بكل كلمة وكل تصرف، الراجل اللي كنتِ بتدعي ربنا كل ليلة إنه إما يتعدل أو يفك كربك منه. وفجأة، في ليلة واحدة، رجع البيت متجهم وفي عينيه نظرة ذنب وندم مش طبيعية، ومن الليلة دي كل حاجة اتغيرت! اتغير بدرجة 180 درجة.. بقى الحنين، الزوج المثالي، الراجل اللي مش بيخليكي تلمسي كوباية في البيت، الراجل اللي نظرته ليكي كلها حب وعشق يجنن… هل المعجزة دي مكنتش معجزة؟ هل الراجل اللي عاش معاكي الأشهر اللي فاتت دي كلها… مكنش كرم اصلاً؟! الأفكار كانت بتنهال على عقلك زي السيل. القشعريرة مسكت في جلدك. قمتِ من على السرير بالراحة، حافية القدمين، وخطواتك كانت متدارية ومفيش ليها أي صوت. مشيتِ ناحية باب الأوضة وطلعتِ عينك من الفتحة المواربة. الصالة كانت ضلمة، ومفيش أي حركة. اتحركتِ بشويش، ساندة إيدك على حيطة الطرقة عشان ركبك كانت بتخبط في بعضها ومش شايلاكي. وصلتي لشباك الصالة اللي شفتِ منه الراجل من شوية. شدتي الستارة بحذر شديد، وطلعتِ بصيتي لبرة. الشارع تحت كان فاضي تماماً، المطر نازل بغزارة يغرق الدنيا، والمية مغطية الرصيف. الشوارع في المنطقة كانت هادية ومفيش بني آدم ماش في الساقعة دي. بصيتِ يمين وشمال، مفيش أثر للراجل المبلول المضروب، ولا أثر لكرم اللي لسة نازل! وفجأة… وراء ظهرك… سمعتِ صوت تزييق خفيف في الصالة! اتسمرتِ مكانك، والدم هرب من وشك بالكامل. التفتِ ببطء وشديد الحذر، وكأنك خايفة تشوفي ملك الموت وراكي. بس الصالة كانت فاضية… أو ده اللي كنتِ فاكراه، لحد ما لمحتِ ظل طويل المدى وممتد على الحيطة عند المطبخ! حد جوة الشقة! حبستِ أنفاسك، وإيدك راحت التلقائي على بطنك المنتفخة، تحمي الجنين اللي جواكي بكل غريزة أمومة اتولدت فيكي. خطوات صغيرة وبطيئة جداً قربت من فتحة المطبخ… وضهر بني آدم بدأ يبان. كان راجل مبلول، هدومه بتنزل مية على أرضية الصالة. وشه كان معتم في الضلمة، بس لما إضاءة الرعد ضربت في الشباك، كشفت وشه لثانية واحدة… كان هو! الراجل المضروب اللي كان برة الشباك! صريخة كانت هتنزل من زورك، بس كتمتيها بأيدك الاتنين بسرعة. الراجل التفت ناحيتك فجأة لما حس بحركتك، وعينيه المتوسعة الخايفة اتلاقت مع عينيكي المرعوبة. ”سما…” هتاف واطي ومبحوح طلع منه، صوت مخنوق بالبكاء والخوف. قرب منك بخطوات مكسورة ومستعجلة، وهو بيمد إيده اللي كانت بترتعش وبتنزف من عند العقل: “سما.. أرجوكِ متصرخيش.. أنا كرم.. والله العظيم أنا جوزك!” رجعتِ خطوة للوراء، ضهرك خبط في حيطة الصالة، وعينيكي رايحة جاية بين وشه المضروب المليان جروح وكدمات، وبين باب الشقة اللي اتطرد منه التاني من شوية. ”أنت… أنت مين؟” طلعتِ الكلمة منك بالعافية، بتهزجي ومش قادرة تتنفسي. “مين اللي كان هنا من شوية؟ وزيك بالظبط ليه؟! أنت بتعمل إيه هنا؟!” الراجل — أو كرم المجهول — نزل على ركبه قدامك على الأرضية المبلولة، ومسك طرف جلبابك أو هدومك بلهفة وتوسل كأنه غرقان وبيتعلق بقشة: “أنا كرم يا سما! كرم اللي اتجوزتيه من ثلاث سنين.. كرم اللي كان حمار ومبيفهمش وكان بيأذيكي وبيخونك! أنا عارف إني كنت زفت معاكي، عارف إني كنت توكسيك وجرحتك كتير.. بس والله العظيم أنا جوزك الحقيقي!” دموعه اختلطت بالمية اللي نازلة من شعره المبلول على وشه، وكمل بصوت بيترعش من البرد والخوف: “من أربع شهور… من أربع شهور يا سما، وأنا راجع بالليل، اتخطفت! ناس طلعوا عليا وفقدت الوعي، ولما صحيت لقيت نفسي محبوس في بدروم تحت الأرض.. محبوس ومتربط بسلاسل! والراجل ده… الراجل اللي كان عندك جوة ده… كان بيجيلي كل يوم!” عقلك اتوقف عن الاستيعاب. “بيجيلك؟ يعني إيه بيجيلك؟!” ”كان بييجي يقعد قدامي بالساعات!” كرم كان بيبكي بحرقة، وصوته يقطع القلب: “كان بياخد باله من كل كلمة بقولها، بيسجل نبرة صوتي، بيسألني عن كل تفصيلة في حياتنا، عن ذكرياتنا، عن أهلي، عنك أنتِ بالذات يا سما! كان بيسألني بتحبي إيه وبيكره إيه، الأكلات اللي بتفضليها، الطريقة اللي بتنامي بيها… كان بياخد كل حاجة مني بالعافية بالضرب والتعذيب عشان يتقن دوري بالظبط!” سما كانت حاسة إن الأرض بتلف بيها. الكلام كان زي الصدمة الكهربائية اللي بتهز كيانها كله. افتكرتِ كل حاجة… افتكرتِ ازاي من أربع شهور اتغير فجأة؟ ازاي بقى يعرف كل حاجة بتحبيها؟ ازاي بقى يطبخلك الأكل اللي بتحبيه بالظبط بالبهارات اللي كنتِ بتطلبيها زمان وكان يطنشك؟ ازاي بقى يستحمل عصبيتك وهرموناتك ببال طويل جداً مش بتاع كرم القديم خالص؟! ”طب… طب هو مين؟” سألتي بصوت واطي جداً وكأنك خايفة حد يسمعك، “وليه يعمل كل ده؟! ليه يأخذ مكانك وييجي يعيش معايا أنا؟!” كرم رفع وشه المضروب بصعوبة، وعينيه المجهدة بصت في عينيكي بأسى رهيب: “علشان يوصل لفلوس وأوراق أبويا الله يرحمه يا سما! الورق اللي كان متسجل باسمي والأسهم اللي في الشركات.. هو كان محتاج وقت عشان ينقل كل حاجة باسمه من غير ما حد يشك فيه. وكان عارف إن لو دخل عليكي بشخصيتي القديمة العصبي والمشاغب، كنتِ هتشكي أو تطلبي الطلاق وتسيبيه وميعرفش يوصل لغرضه! فقرر يمثل دور ‘الزوج التايب’ اللي رجع لعقله وحبه لمراته عشان يضمن إنك جنبه ومطمنة، ومحدش من أهلي أو أصحابنا يشك في تصرفاته!” سما حطت إيدها على بؤها، والصدمة شلت حركة أفكارها. كل الحنية… كل الحب… كل النظرات الدافية والورود والأحضان اللي عاشتها الأربع شهور اللي فاتوا… كانت مجرد كذبة؟ مجرد تمثيلية محبوكة من مجرم محترف واخد شكل جوزها؟! والأدهى والأمر… عينيكي نزلت التلقائي لبطنك. الطفل اللي جواكي ده… ابن مين؟! كرم لمس حيرتك ورعبك القاتل لما بص لبطنك، ودموعه زادت: “أنا… أنا قدرت أهرب النهاردة بالليل.. الحارس اللي كان واقف عليا سكر ونام، واستغليت الفرصة وكسرت القفل وجريت في المطر والضلمة حافي ومضروب عشان أجيلك أحذرك منه قبل ما يكمل مخططه ويهرب بيكي أو يخلص منك ومني!” سما بدأت تبكي بهستيرية، وجسمها يترعش. “طب والطفل ده… اللي في بطني؟” كرم بص لبطنك بألم يعصر القلب، بلع ريقه وصوته اتقطع: “أنا… أنا معرفش يا سما.. معرفش. بس اللي أعرفه إننا لازم نمشي من هنا حالاً! الراجل ده مش سهل، ده مجرم ومش هيتردد يقتلنا إحنا الاتنين لو عرف إن أمره اتكشف!” وفي اللحظة دي بالذات… صوت مفتاح بيتلف في قفل الباب الخارجي! الزمن وقف. قلوبكم أنتم الاتنين وقفت عن النبض. كرم المضروب اتخشب على الأرض، وعينيه أملتها رعب مش طبيعي. بص لكي بلهفة مجنونة وشاورلك بـ “أش” بأصبعه على شفايفه. الباب بدأ يتفتح ببطء شديد. سما، بدون ما تفكر، مسكت كرم من دراعه بقوة وسحبته ناحية المطبخ الضيق بسرعة ولطف، وخليتيه يستخبى ورا التلاجة في الزاوية الضلمة اللي محدش بيشوفها بسرعة. ورجعت هي تقف في نص الصالة، بتحاول تتنفس وشفايفها بترتعش، ودموعها جفت من كتر الخوف. باب الشقة اتفتح على آخره. دخل كرم المزيف… أو الراجل اللي عاشت معاه أجمل أربع شهور في حياتها. كان ماسك في إيده شنطة سوداء كبيرة، وهدومه مبلولة من المطر. وعلى وشه… مكنتش الابتسامة الدافية إياها. كان وشه جامد، وعينيه فيها نظرة شريرة ومتوترة، حادة زي الموس. أول ما شافها واقفة في نص الصالة في الضلمة، ثبت مكانه. نظراته طافت في المكان ببطء شديد، وركزت على الأرضية… كانت فيه آثار أقدام مبلولة بالمية والطين جاية من الشباك ورايحة ناحية المطبخ! سما حسيت إن قلبها هيقف خالص. حاول تغطي على الآثار برجلها أو تتكلم، بس صوتها اتخنق. كرم المزيف حط الشنطة السوداء على الأرض ببطء، والصوت المكتوم للشنطة يوحي إن جواها حاجة تقيلة… تقيلة أوي. رفع راسه وبص لـ سما، والابتسامة الدافية المرعبة رجعت ترتسم على شفايفه ببطء، ابتسامة خلت الدم يتجمد في عروقها. ”أنتِ لسة صحية يا سما؟” قالها بصوت واطي وناعم، بس النبرة كان فيها تهديد صريح خفي. خطى خطوة لقدام، مقرب منها، وعينيه نزلت على آثار الطين اللي على الأرضية، وبعدين رفعت تاني لعينيها مباشرة: “قلتلك يا حبيبتي.. المفروض تكوني نايمة ومريحة نفسك.. الجهد الزيادة وحش عشان صحتك… وعشان صحة اللي في بطنك.” سما بلعت ريقها بالعافية، وحاولت تتكلم بثبات: “أنا… أنا قمت أشرب مية يا كرم.” وقف قدامها بالظبط، تفصله عنها خطوة واحدة. رفع إيده المبلولة، وبصوابعه الباردة كالتلج، مسح دمعة كانت نازلة على خدها. ”شربتِ مية؟” سألها وهو بيحرك صباعه على خدها بنعومة مرعبة، “طب وليه عيونك حلوة دي مليانة دموع ورعب كده؟ وبتترعشي ليه يا سما؟” نظرة عينيه اتحولت لزاوية المطبخ… للضلمة اللي مستخبي فيها كرم الحقيقي! وفجأة، طلع من جيبه ورا ضهره حاجة لمعت في إضاءة الرعد الخاطفة… سكينة مطبخ كبيرة ومسنونة! ابتسم ابتسامة عريضة خبيثة، ووطى يهمس في ودن سما بصوت دافي ومريب خلى شعر جسمها كله يقف: ”تفتكري هرمونات الحمل… هي اللي مخلياكي تشوفي آثار الطين دي كمان يا حبيبتي؟ ولا نروح المطبخ سوا ونشوف مين اللي شرفنا في بيتنا؟”السكينة كانت بتلمع تحت إضاءة الرعد الخاطفة، وبرودتها كانت ملموسة في الهوا اللي بينكم. سما اتسمرت مكانها، لسانها اتعقد ومش قادرة تطلع حرف، وعينيها متثبتة على وش الراجل اللي قدامها… الراجل اللي كان لحد ساعة واحدة بس هو سندها وباب أملها في الدنيا، ودلوقتي بقى الكابوس اللي بيهدد حياتها وحياة طفلها. ”كـ… كرم…” طلعت الكلمة من زورها محشورة ومخنوقة، وهي بتبص للسكينة اللي في إيده وترجع تبص لعينيه الباردة. ابتسم ابتسامة باهتة، فيها كمية شر وغل تخلي الدم يتجمد في العروق. مالمسهاش، بس قرب من ودنها أكتر، ونبرة صوته الناعمة المربكة دي كانت أشد من أي صريخ: “عارفة يا سما… أنا حبيتك. والله العظيم حبيتك بجد. الأربع شهور اللي فاتت دول كانوا أحلى أيام حياتي. تمثيلية ‘الزوج الطيب’ كانت ممتعة جداً، خصوصاً لما كنت بشوف الفرحة في عينيكي وأنتِ فاكرة إن جوزك التوكسيك اتعدل وعاش عشان يرضيكي.” مسح بصباعه على نصل السكينة ببطء، وكمل وهو عينه متثبتة على فتحة المطبخ: “بس للأسف… الحقيقي دايماً بيجي يخرب اللحظات الحلوة. الغبي قدر يهرب، وأنتِ قدرتي تكتشفي اللعبة بدري أوي.” وفجأة! وبدون أي مقدمات… صرخة مكتومة طلعت من المطبخ، وصوت اندفاع جسم ثقيل! كرم الحقيقي، برغم جروحه ونزيفه والضعف اللي هادد حيله، ماستحملش يشوف السكينة قريبة من سما! انقض من ورا التلاجة زي المجنون وجري على المزيف بكل قوته، وزقه في صدره بكتفه! الراجل المزيف اتكعبل لورا وخبط في ترابيزة الصالة، والسكينة طارت من إيده ورنت على السيراميك بصوت يرعب. ”سمااااا! اجريييي!” كرم الحقيقي صرخ بكل قوته، وهو بيترمى على المزيف وبيحاول يثبته في الأرض وإيديه المبلولة بتصارع عشان تمسك خناقه: “اخروجي برة الشقة! اجريييي!” سما بلعت ريقها، والرعب أدى لجسمها دفعة أدرينالين مفاجأة. بدون ما تفكر، وُشها بقى للباب الخارجي وجريت فتحت الكوالين بأيدين بترتعش. المفتاح كان صعب يتلف من الخوف، والصوت وراها كان زي معركة بين حيين وميتين؛ تكسير أثاث، صريخ، وأنقاض بتتهد. فتح باب الشقة أخيراً! السلم كان ضلمة والمطرة برة كانت بتضرب في الشارع بصوت يرعب. بس وهي لسة بتحط رجلها برة عتبة الباب… صوت ضربة مكتومة وثقيلة جداً رنت في الصالة… وبعدها سكوت تام! سما اتجمدت على العتبة. التفتت ببطء شديد وهي مرعوبة… كرم الحقيقي كان مرمي على الأرضية المبلولة، جبهته بتنزف دم غامق، ومبيتحركش. وعلى بعد خطوات منه… كان المزيف واقف. وشه مليان دم وشعر جبهته متبهدل، ماسك في إيده طقطوقة خشبي ثقيلة اتكسرت نُصين من شدة الضربة! رمى خشبة الطقطوقة على الأرض، وأخد نفس طويل ومتقطع… وبعدين رفع عينه لـ سما. نظراته مكنتش مجنونة… كانت ألعن! كانت نظرة هادية، حاسمة، ومفيش فيها أي أثر للرحمة. ”كنت متأكد إنك مش هتهوني عليه…” قالها المزيف وهو بيمسح الدم اللي على وشه بكف إيده، وبيتحرك بخطوات هادية وبطيئة ناحية الباب اللي سما واقفة عنده. سما اتراجعت لورا بخطوة، ورجلها خبطت في درابزين السلم. “متقربش مني… متقربش!” وقف عند عتبة الباب، وبص لـ كرم المرمي على الأرض، وبعدين بص لـ بطن سما المنتفخة، وحط إيده في جيب بنطلونه وطلع جهاز صغير… مفتاح عربية بفرامل عن بعد أو جهاز إنذار. ”أنتِ فاكرة إنك لما تطلعي في الشارع في ليلة زي دي هتهربي؟” سألها بنبرة دافية مرعبة، وابتسامة خفيفة اترسمت على شفايفه: “المنطقة كلها مقطوعة فيها الكهربا، والشارع فاضي… والعربية اللي واقفة تحت الشباك، الشنطة بتاعتها مفتوحة ومستنية الشنطة السودا اللي جوة.” قرب منها خطوة كمان، وسما اتزنقت في حيطة السلم، مش قادرة تجري أكتر من كده وركبها بتخبط في بعضها من الثقل والحمل. مد إيده الحنينة إياها، وطبطب على خدها بالراحة، كأنه بيمسح دموعها زي زمان: “تعالي جوة يا سما… بلاش فضايح في العمارة. أنتِ مراتي… أو على الأقل، أنتِ عشتِ معايا على إنك مراتي وتعودتِ عليا. الواد اللي في بطنك ده… هيتربى معايا أنا، مش مع الضعيف المرمي جوة ده.” سما بصت في عينيه، وفي اللحظة دي بالذات، حسيت بحركة الجنين في بطنها… رفسة قوية وكأن الطفل برضه حاسس بالرعب. وفجأة… من الضلمة بتاعة السلم اللي تحت… صوت خطوات ثقيلة ومستعجلة جداً طالعة على السلم! وصوت سرينة إسعاف وشرطة بدأ يظهر من بعيد خالص، جاي من أول الشارع ومخترق صوت المطر والعد! المزيف اتخشب مكانه، والنظرة الباردة اللي في عينيه اتغيرت لربكة وشك لأول مرة! سما ابتسمت بين دموعها، وطلعت إيدها التانية من جيب الروب… كانت ماسكة تليفونها المفتوح على مكالمة طوارئ جارية من أول ما دخلت المطبخ! ”أنا… أنا مكنتش بجهز مية يا كرم…” طلعت الكلمة من سما بصوت مجهد بس واثق: “أنا كنت بطلب الشرطة.” ملامح المزيف تحولت لشراسة مجنونة، ولسة بيمد إيده عشان يمسكها من رقبتها ويسحبها لجوة… صوت صرخة كرم الحقيقي رنت من الصالة وهو بيقوم على حيله بالعافية ومسك رجل المزيف بكل قوته وسحبه لورا، والاتنين وقعوا على السيراميك! في نفس اللحظة… نور كشافات الشرطة ضرب في شباك السلم، وصوت عساكر وطالعين يجرو على السلم بصوت بيزلزل العمارة! سما سندت على الحيطة ونزلت على ركبها من كتر التعب والرعب، وهي بتبص للاتنين اللي بيفحطوا في الأرض… الاتنين اللي شبه بعض بالمللي، نفس الوش، نفس الصوت، نفس الملامح… واحد منهم كان جوزها اللي جرحها وزمان كسرها، والتاني كان المجرم اللي أدى لها الأحضان والحنية وعيشها في وهم جميل. الشرطة اقتحمت الدور، والكشافات اتسلطت عليهم. الظابط صرخ وهو ساحب مسدسه: “إيديك فوق أنت وهوااا!” الاتنين رفعوا إيديهم المبلولة بالدم والطين… الاتنين بصوا لـ سما في نفس اللحظة، وبنفس الصوت والتوسل والحرقة صرخوا في نفس الوقت: ”سما! قوليلهم أنا مين! أنا جوزك الحقيقي يا سمااااا!” سما بصت لوشوشهم الممتلئة بالدم… والتليفون وقع من إيدها على الأرض. عينها زغللت، والرؤية بدأت تضلم تدريجياً وهي بتسقط على الأرض، والصرختين طالعين من وُشين متطابقين، ومحدش في المكان عارف… مين فيهم اللي كان بيحبها بجد، ومين اللي كان يمثل!