زوج تحت الشبهات

”أنتِ لسة صحية يا سما؟” قالها بصوت واطي وناعم، بس النبرة كان فيها تهديد صريح خفي.
خطى خطوة لقدام، مقرب منها، وعينيه نزلت على آثار الطين اللي على الأرضية، وبعدين رفعت تاني لعينيها مباشرة: “قلتلك يا حبيبتي.. المفروض تكوني نايمة ومريحة نفسك.. الجهد الزيادة وحش عشان صحتك… وعشان صحة اللي في بطنك.”
سما بلعت ريقها بالعافية، وحاولت تتكلم بثبات: “أنا… أنا قمت أشرب مية يا كرم.”
وقف قدامها بالظبط، تفصله عنها خطوة واحدة. رفع إيده المبلولة، وبصوابعه الباردة كالتلج، مسح دمعة كانت نازلة على خدها.
”شربتِ مية؟” سألها وهو بيحرك صباعه على خدها بنعومة مرعبة، “طب وليه عيونك حلوة دي مليانة دموع ورعب كده؟ وبتترعشي ليه يا سما؟”
نظرة عينيه اتحولت لزاوية المطبخ… للضلمة اللي مستخبي فيها كرم الحقيقي!
وفجأة، طلع من جيبه ورا ضهره حاجة لمعت في إضاءة الرعد الخاطفة… سكينة مطبخ كبيرة ومسنونة!
ابتسم ابتسامة عريضة خبيثة، ووطى يهمس في ودن سما بصوت دافي ومريب خلى شعر جسمها كله يقف:
”تفتكري هرمونات الحمل… هي اللي مخلياكي تشوفي آثار الطين دي كمان يا حبيبتي؟ ولا نروح المطبخ سوا ونشوف مين اللي شرفنا في بيتنا؟”السكينة كانت بتلمع تحت إضاءة الرعد الخاطفة، وبرودتها كانت ملموسة في الهوا اللي بينكم. سما اتسمرت مكانها، لسانها اتعقد ومش قادرة تطلع حرف، وعينيها متثبتة على وش الراجل اللي قدامها… الراجل اللي كان لحد ساعة واحدة بس هو سندها وباب أملها في الدنيا، ودلوقتي بقى الكابوس اللي بيهدد حياتها وحياة طفلها.
”كـ… كرم…” طلعت الكلمة من زورها محشورة ومخنوقة، وهي بتبص للسكينة اللي في إيده وترجع تبص لعينيه الباردة.
ابتسم ابتسامة باهتة، فيها كمية شر وغل تخلي الدم يتجمد في العروق. مالمسهاش، بس قرب من ودنها أكتر، ونبرة صوته الناعمة المربكة دي كانت أشد من أي صريخ: “عارفة يا سما… أنا حبيتك. والله العظيم حبيتك بجد. الأربع شهور اللي فاتت دول كانوا أحلى أيام حياتي. تمثيلية ‘الزوج الطيب’ كانت ممتعة جداً، خصوصاً لما كنت بشوف الفرحة في عينيكي وأنتِ فاكرة إن جوزك التوكسيك اتعدل وعاش عشان يرضيكي.”
مسح بصباعه على نصل السكينة ببطء، وكمل وهو عينه متثبتة على فتحة المطبخ: “بس للأسف… الحقيقي دايماً بيجي يخرب اللحظات الحلوة. الغبي قدر يهرب، وأنتِ قدرتي تكتشفي اللعبة بدري أوي.”
وفجأة! وبدون أي مقدمات…
صرخة مكتومة طلعت من المطبخ، وصوت اندفاع جسم ثقيل!
كرم الحقيقي، برغم جروحه ونزيفه والضعف اللي هادد حيله، ماستحملش يشوف السكينة قريبة من سما! انقض من ورا التلاجة زي المجنون وجري على المزيف بكل قوته، وزقه في صدره بكتفه!
الراجل المزيف اتكعبل لورا وخبط في ترابيزة الصالة، والسكينة طارت من إيده ورنت على السيراميك بصوت يرعب.
”سمااااا! اجريييي!” كرم الحقيقي صرخ بكل قوته، وهو بيترمى على المزيف وبيحاول يثبته في الأرض وإيديه المبلولة بتصارع عشان تمسك خناقه: “اخروجي برة الشقة! اجريييي!”
سما بلعت ريقها، والرعب أدى لجسمها دفعة أدرينالين مفاجأة. بدون ما تفكر، وُشها بقى للباب الخارجي وجريت فتحت الكوالين بأيدين بترتعش. المفتاح كان صعب يتلف من الخوف، والصوت وراها كان زي معركة بين حيين وميتين؛ تكسير أثاث، صريخ، وأنقاض بتتهد.
فتح باب الشقة أخيراً! السلم كان ضلمة والمطرة برة كانت بتضرب في الشارع بصوت يرعب.
بس وهي لسة بتحط رجلها برة عتبة الباب…
صوت ضربة مكتومة وثقيلة جداً رنت في الصالة… وبعدها سكوت تام!
سما اتجمدت على العتبة. التفتت ببطء شديد وهي مرعوبة…
كرم الحقيقي كان مرمي على الأرضية المبلولة، جبهته بتنزف دم غامق، ومبيتحركش. وعلى بعد خطوات منه… كان المزيف واقف. وشه مليان دم وشعر جبهته متبهدل، ماسك في إيده طقطوقة خشبي ثقيلة اتكسرت نُصين من شدة الضربة!
رمى خشبة الطقطوقة على الأرض، وأخد نفس طويل ومتقطع… وبعدين رفع عينه لـ سما.
نظراته مكنتش مجنونة… كانت ألعن! كانت نظرة هادية، حاسمة، ومفيش فيها أي أثر للرحمة.
”كنت متأكد إنك مش هتهوني عليه…” قالها المزيف وهو بيمسح الدم اللي على وشه بكف إيده، وبيتحرك بخطوات هادية وبطيئة ناحية الباب اللي سما واقفة عنده.
سما اتراجعت لورا بخطوة، ورجلها خبطت في درابزين السلم. “متقربش مني… متقربش!”
وقف عند عتبة الباب، وبص لـ كرم المرمي على الأرض، وبعدين بص لـ بطن سما المنتفخة، وحط إيده في جيب بنطلونه وطلع جهاز صغير… مفتاح عربية بفرامل عن بعد أو جهاز إنذار.
”أنتِ فاكرة إنك لما تطلعي في الشارع في ليلة زي دي هتهربي؟” سألها بنبرة دافية مرعبة، وابتسامة خفيفة اترسمت على شفايفه: “المنطقة كلها مقطوعة فيها الكهربا، والشارع فاضي… والعربية اللي واقفة تحت الشباك، الشنطة بتاعتها مفتوحة ومستنية الشنطة السودا اللي جوة.”
قرب منها خطوة كمان، وسما اتزنقت في حيطة السلم، مش قادرة تجري أكتر من كده وركبها بتخبط في بعضها من الثقل والحمل.
مد إيده الحنينة إياها، وطبطب على خدها بالراحة، كأنه بيمسح دموعها زي زمان: “تعالي جوة يا سما… بلاش فضايح في العمارة. أنتِ مراتي… أو على الأقل، أنتِ عشتِ معايا على إنك مراتي وتعودتِ عليا. الواد اللي في بطنك ده… هيتربى معايا أنا، مش مع الضعيف المرمي جوة ده.”
سما بصت في عينيه، وفي اللحظة دي بالذات، حسيت بحركة الجنين في بطنها… رفسة قوية وكأن الطفل برضه حاسس بالرعب.
وفجأة… من الضلمة بتاعة السلم اللي تحت…
صوت خطوات ثقيلة ومستعجلة جداً طالعة على السلم! وصوت سرينة إسعاف وشرطة بدأ يظهر من بعيد خالص، جاي من أول الشارع ومخترق صوت المطر والعد!
المزيف اتخشب مكانه، والنظرة الباردة اللي في عينيه اتغيرت لربكة وشك لأول مرة!
سما ابتسمت بين دموعها، وطلعت إيدها التانية من جيب الروب… كانت ماسكة تليفونها المفتوح على مكالمة طوارئ جارية من أول ما دخلت المطبخ!
”أنا… أنا مكنتش بجهز مية يا كرم…” طلعت الكلمة من سما بصوت مجهد بس واثق: “أنا كنت بطلب الشرطة.”
ملامح المزيف تحولت لشراسة مجنونة، ولسة بيمد إيده عشان يمسكها من رقبتها ويسحبها لجوة…
صوت صرخة كرم الحقيقي رنت من الصالة وهو بيقوم على حيله بالعافية ومسك رجل المزيف بكل قوته وسحبه لورا، والاتنين وقعوا على السيراميك!
في نفس اللحظة… نور كشافات الشرطة ضرب في شباك السلم، وصوت عساكر وطالعين يجرو على السلم بصوت بيزلزل العمارة!
سما سندت على الحيطة ونزلت على ركبها من كتر التعب والرعب، وهي بتبص للاتنين اللي بيفحطوا في الأرض… الاتنين اللي شبه بعض بالمللي، نفس الوش، نفس الصوت، نفس الملامح…
واحد منهم كان جوزها اللي جرحها وزمان كسرها، والتاني كان المجرم اللي أدى لها الأحضان والحنية وعيشها في وهم جميل.
الشرطة اقتحمت الدور، والكشافات اتسلطت عليهم. الظابط صرخ وهو ساحب مسدسه: “إيديك فوق أنت وهوااا!”
الاتنين رفعوا إيديهم المبلولة بالدم والطين… الاتنين بصوا لـ سما في نفس اللحظة، وبنفس الصوت والتوسل والحرقة صرخوا في نفس الوقت:
”سما! قوليلهم أنا مين! أنا جوزك الحقيقي يا سمااااا!”
سما بصت لوشوشهم الممتلئة بالدم… والتليفون وقع من إيدها على الأرض. عينها زغللت، والرؤية بدأت تضلم تدريجياً وهي بتسقط على الأرض، والصرختين طالعين من وُشين متطابقين، ومحدش في المكان عارف… مين فيهم اللي كان بيحبها بجد، ومين اللي كان يمثل!




