زوج تحت الشبهات

فتحتِ عينيكي ببطء شديد على ريحة المطهرات وضوء أبيض قوي زغلل رؤيتك. حسيتِ بإيد دافية ماسكة إيدك بقوة، ولما الرؤية وضحت، لقيتِ أخوكي قاعد جنبك على كرسي المستشفى وعينيه حمرا من الخوف والقلق عليكي. أول ما شافك فتحتِ عينيكي، اتنهد براحة وباس راسك وقال لك الحمد لله إنك بخير أنتِ واللي في بطنك. بس قبل ما تلحقي تسأليه إيه اللي حصل وإزاي وصلتي هنا، باب الأوضة خبط ودخل ظابط مباحث بوش جاد وملامح مرهقة، طلب من أخوكي يسيبكم لوحدكم خمس دقايق، وقرب من سريرك وهو بيسحب كرسي ويقعد.
الظابط قال لك بهدوء إن البوليس لحق الموقف في آخر لحظة وقبضوا على الاتنين، وإنهم في القسم دلوقتي. المشكلة إن الاتنين متطابقين بشكل مرعب، لدرجة إنهم شاكين إنهم توأم متماثل اتفرقوا من صغرهم من غير ما أهل كرم يعرفوا، أو إن في عملية تجميل معقدة جداً اتعملت، والتحقيقات وبصمات الـ دي إن إيه هتاخد أيام عشان تثبت مين فيهم كرم الحقيقي ومين المنتحل. بس هما محتاجين شهادتك أنتِ ضروري، محتاجين الزوجة اللي عاشت معاه تفصل في الكارثة دي لحد ما الأدلة الجنائية تطلع. قلبك دق بسرعة، وطلبتِ من الظابط إنك تشوفيهم هما الاتنين مع بعض.
بعد كام ساعة، كنتِ قاعدة على كرسي متحرك ورا إزاز مراية في غرفة تحقيق، الظابط واقف وراكي، والاتنين قاعدين على ترابيزة واحدة ومتبتین في الكلبشات. الاتنين وشوشهم مليانة كدمات من خناقة امبارح، ونفس النظرة المترقبة. الظابط فتح المايك عشان صوتك يوصلهم وصوتهم يوصلك. بمجرد ما شافوكي من ورا الإزاز، الاتنين قاموا وقفوا في نفس اللحظة ونطقوا اسمك بلهفة وتوسل.
بصيتِ ليهم بتركيز، دموعك كانت متجمدة في عينيكي، وقلبك مقبوض. سألتيهم بصوت متقطع بس مسموع: “يوم ما عرفت إني حامل… أول حاجة قولتهالي إيه؟”
الراجل اللي على اليمين، اللي ملامحه كانت أهدى شوية، رد بسرعة وابتسامة حنونة إياها ظهرت على وشه رغم الكدمات: “أخدتك في حضني وقولتلك إن دي أعظم هدية ربنا رزقني بيها، وإني هعوضك عن كل الأيام الصعبة اللي عشناها وهخليكي أسعد واحدة في الدنيا يا سما.”
الراجل اللي على الشمال، اللي كان بيبص لك بحسرة وكسرة، سكت لحظة… وبعدين وشه احمر ودموعه نزلت وقال بصوت مخنوق وتعبان: “أنا… أنا مكنتش معاكي يا سما. أنا مكنتش أعرف إنك حامل أصلاً غير امبارح لما هربت وشوفت بطنك! يوم ما عرفتِ إنك حامل… أنا كنت مربوط في بدروم تحت الأرض والكلب ده هو اللي كان بياخد مكاني وحضنك!”
الظابط بص لك مستني إشارتك. الحقيقة كانت واضحة زي الشمس. الراجل اللي على الشمال هو كرم الحقيقي، جوزك اللي جرحك وأذاكي زمان، بس هو اللي دمه ولحمه حقيقي ومفيش فيه تمثيل. والراجل اللي على اليمين هو المجرم، اللي أتقن دور العاشق الولهان عشان يسرق كل حاجة، حتى مشاعرك. شاورتِ بصباعك المرتعش على الراجل اللي على الشمال وقولتِ للظابط وإنتِ بتنهجي: “اللي على الشمال هو جوزي… التاني ده هو الكداب.”
المجرم اللي على اليمين ابتسامته اختفت تماماً، ووشه اتحول لكتلة من الغضب البارد، وبص لك بنظرة خلت روحك تنسحب منك، قبل ما العساكر يدخلوا يسحبوه لبرة الأوضة وهو بيبتسم لك ابتسامة أخيرة مليانة شر. كرم الحقيقي نزل على ركبه وهو بيبكي وبيشكر ربنا إنك صدقتيه، وبيوعدك بصوت عالي وإنتِ ورا الإزاز إنه هيتغير بجد وإنه هيمحي كل وجع سببهولك.
رجعتِ البيت بعد أيام، البيت كان هادي وفاضي وموحش. كرم كان بيحاول بكل طاقته يثبتلك إنه اتغير بعد تجربة الخطف المرعبة اللي عاشها، كان بيحاول يكون الحنين، بيحاول يعوضك عن كل قسوته القديمة. بس كل ما كان بيقرب منك ويطبطب عليكي، أو يبتسملك بحنية ويقولك كلام حلو… كنتِ بتشوفي وش المجرم. كل لمسة منه كانت بتفكرك بالليالي اللي نمتي فيها مطمنة في حضن راجل غريب بيمثل الحب. الأمان اللي كنتِ بتدوري عليه انكسر للأبد. كرم رجع، بس سما اللي كانت قادرة تديله فرصة تانية ماتت في الليلة دي. وبقيتِ عايشة في بيت واحد مع راجل، كل ما بيبصلك في عينيكي بحنية، بتسألي نفسك في سرك برعب مكتوم بيخليكي متناميش الليل… يا ترى هو اتغير بجد؟ ولا اللي اتقبض عليه ده… كان هو كرم الحقيقي؟مشيت معاه بخطوات متقلة، كأن رجليكي متثبتة في الأرض بخرسانة. كل خطوة للغرفة كانت بتحسسك إنك ماشية لعرين أسد ساكت ومستني الفرصة عشان ينقض. كرم — أو الكائن اللي واخد شكل كرم — كان ماسك وسطك بحنية مفرطة، حنية مسمومة خلت قشعريرة تسري في جسمك كله. دخلتوا الأوضة، النور كان هادي، وصوت المطر برة لسة بيخبط في إزاز الشباك بزنة كئيبة، متقطعة مع صوت الرعد اللي كان بيهز البيت كل بضع ثواني.
قعدك على السرير ببطء، ومال عليكِ وغطاكي باللحاف وهو بيبصلك بابتسامة هادية، بس عينيه… عينيه مكنتش بتضحك. كان فيها نظرة باردة، نظرة حد بيفحص لعبة في إيده وشايفها بدأت تبوظ أو تفهم أكتر من اللازم.
”استريحي يا حبيبتي، ومتفكريش في أي حاجة تقلقك.. هرمونات الحمل ساعات بتخلي الواحدة تتخيل حاجات غريبة، والجو برة أصلاً يرعب أي حد.” قالها وهو بيمشي صوابعه على شعرك بحركة بطيئة جداً، كأنه بيحاول يهديكي، بس اللمسة نفسها كانت كفيلة تخلي دمك يتجمد.
بلعتِ ريقك بالعافية، وحاولتِ تطلعي صوتك طبيعي ومش بترتعشي: “أنت… أنت نازل تاني ليه في المطر ده يا كرم؟ الساعة عدت واحدة بالليل، والجو برة تلج ومطرة مش طبيعية.”
الابتسامة اللي على وشه وسعت سنّة، ونزل إيده من على شعرك لكتفك، وطبطب عليه بالراحة: “مصلحة صغيرة كده يا سما.. شغل مستعجل ولازم أخلصه عشان أرجعلك وأنا بالي رايق. مشتغليش بالك أنتِ، غمضي عينيكي ونامي.”




