الهروب

 

وبعدين أخد الصورة من إيدي وقال:

 

—أنا لازم أقولك الحقيقة قبل ما أمها توصلك… لأن الست اللي في الصورة دي مش مجرد واحدة كنت أعرفها.

 

بص للفستان، وقال:

 

—دي أم ضرتك الحقيقية… وأنا آخر واحد شافها قبل ما تختفي.

 

أنزلت يدها التي كانت تمسك بالموبايل، والسكوت يخيم على الغرفة كأنه جدار من ثلج. أنفاس زوجي كانت متسارعة، وصوت دقات قلبي يتردد في أذني كأنه طبل حرب. كانت كلماته الأخيرة تدور في عقلي كالإعصار: “دي أم ضرتك الحقيقية… وأنا آخر واحد شافها قبل ما تختفي.”

​نظرتُ إليه بذهول، شعرتُ وكأن الأرض تميد بي. كيف يكون هذا الفستان القديم، بياقته المطرزة وعلامته الصغيرة، خيطاً يربط بين زوجي، وضرتي، وامرأة غائبة منذ ثمانية وعشرين عاماً؟

​اقتربتُ منه خطوة، وصوتي يرتجف بلوعة وحيرة:

— يعني إيه؟ يعني الست اللي أختك أو ضرتي فاكرة إنها أمها… مش أمها؟ ونوال دي… تبقى مين بالضبط؟ وإيه علاقتك بيها؟

​جلس “محمود” على الحافة المتهالكة للكرسي، ووضع يديه على رأسه. أخذ نفساً عميقاً يتخلله أنين مكتوم، ثم رفع عينيه المليئتين بالخوف والندم:

— الحكاية بدأت من زحمة السنين يا سعاد… من أكتر من ثلاثين سنة. أنا ونوال كنا بنحب بعض. كنا صغيرين، ودمنا حامي، وبنحلم ببكرة. الفستان ده… أنا اللي اشتريتهولها هدية خطوبتنا. طرزت اسمها جواه بإيدها عشان تقولي إنها ملكي.

​اتسعت عيناي، وشعرت بغصة حارقة في حلقي:

— خطوبتكوا؟! أنت عمرك ما جبتلي سيرة إنك اتخطبت قبل ما تتجوزني!

​أخفض رأسه وقال بنبرة انكسار:

— عشان المحنة كانت أكبر من إني أقدر أحكيها. نوال كانت بنت ناس على قد حالهم، بس أمها—الست اللي مربية ضرتك دلوقتي—كانت ست جشعة وعينها فارغة. لما تقدمت لنوال، أمها رفضتني عشان كنت لسه في أول طريقي. وفي يوم وليلة، قررت تجوزها لواحد غني ومسن عشان فلوسه. نوال رفضت ومسكت فيا، واتفقنا نهرب.

​قاطعتُه وأنا أشير إلى الصورة والفستان:

— وهروبكم ده… إيه علاقته باختفائها؟ والفستان ده أصلًا جابوا صندوق أمها إزاي؟!

​دمعت عين محمود وهو ينظر إلى الفستان القابع على الطاولة كأنه ج*ثة هامدة:

— ليلة الهروب… كانت لابسة الفستان ده بالظبط. نفس الليلة اللي الصورة دي اتلقطت فيها في استوديو صغير على أطراف البلد. كنا متفقين نركب قطر الصعيد ونبعد. بس أمها عرفت طريقنا. جابت إخواتها ورجالتها وقطعوا علينا الطريق قبل ما نوصل للمحطة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *