الهروب

نظرت حكمة إلى شهيرة بنظرة مليئة بالانكسار والندم، ثم طأطأت رأسها وهي تنتحب بصوت مكتوم:
— نوال… ما ماتتش في حادثة يا محمود.
طارت الكلمات في الهواء كالقنبلة. سقط محمود على الركبتين أمامها:
— ما ماتتش؟! يعني إيه ما ماتتش؟! إنتي قلتيلي إيدكوا دفنتوها!
ردت حكمة وهي تمسح دموعها بطفولية مرعبة:
— ليلة ما مسكناكم… أخدناها بالعافية وحبسناها في البيت. الفستان ده قلعناهولها وحبسناها في الأوضة عشان نجهزها للراجل الغني اللي كان هيدفع القرشين. بس نوال كانت حاملاً منك يا محمود… كانت حامل في الشهر الأول.
تسمر محمود في مكانه، وأنا شعرت أن قواي تتلاشى تماماً.
تابعت حكمة بصوت يملؤه السواد:
— لما عرفنا إنها حامل منك، الراجل الغني طلقها قبل ما يتجوزها ورماها. عمامها قرروا يق*تلوها عشان العار. أنا… أنا خفت عليها. هربتها لبلد بعيدة عند أختي، وعرفت الناس كلها إنها ماتت في حادثة عشان عمامها ما يدوروش عليها. نوال عاشت هناك تسعة أشهر، ولدت البنت… ولدت “شهيرة”.
لتفتت شهيرة إلى العجوز بذهول، وهي تصرخ:
— أنا؟! أنا بنت نوال؟! يعني أنتِ مش أمي؟! أنتِ جديتي؟!
أومأت حكمة برأسها وهي تبكي:
— نوال ماتت فعلاً يا بنتي… بس ماتت وهي بتولدك. جابتك للدنيا وسلمت روحها. أنا أخدتك وربيتك على إنك بنتي، وحرمت محمود منك ومنها عشان كنت بأكرهه وبحمله ذنب كل اللي حصل. كبرتك وخبيت السر ده جوه قلبي زي النار.
اقترب محمود من شهيرة وهو ينظر إليها بعينين تائهتين، كأنه يرى في وجهها ملامح حبه القديم الذي دفنه الزمان. شهيرة كانت تبكي بهستيريا، ترتد إلى الخلف، غير قادرة على استيعاب أن المرأة التي عاشت معها كضرة، ليست سوى زوجة أبيها الحقيقي، وأن زوجها… هو أباها!
صرخت شهيرة بصوت يقطع القلوب:
— جوزي؟! أنا متجوزة أبويا؟!
سارعتُ بالتدخل بصوت مرتجف ولكن محاولاً السيطرة على الفوضى:
— استني يا شهيرة! استني يا محمود!
التفت محمود إليّ بضياع، فواصلت وأنا أنظر إلى حكمة:
— اتكلمي يا حكمة! كملي الحقيقة كلها! شهيرة تبقى بنت محمود فعلاً ولا لأ؟ اتكلمي بدل ما أبلغ الشرطة فوراً بتهمة الخطف والتزوير!
ارتعبت حكمة وسقطت على قدمي:
— لأ! والله العظيم لأ! شهيرة مش بنت محمود!
ساد الذهول المكان مجدداً. نظر إليها محمود بحدقة متسعة:



