الهروب

​شخصت بصرها نحوه وأنا أستمع برعب:

— وبعدين؟ عملوا إيه؟

​— ضربوني لحد ما أغمى عليا… ولما فقت في المستشفى بعد يومين، قالولي إن نوال ماتت في حادثة عربية وهي هربانة. أمها أخدت ج*ثتها ودفنتها في بلد أصلهم، ومن يومها مفيش حد شاف نوال تاني، ولا سمع اسمها. أنا عشت عمري كله مصدق إنها ماتت بسبب غبائي وحبي ليها!

​قمت من مكاني، ومشيت نُحوه وأنا أرتجف:

— طب وضرتي؟ ضرتي اللي عندها دلوقتي حولي سبعة وعشرين سنة… تطلع مين؟!

​قبل أن ينطق محمود بكلمة واحدة، اهتز باب الشقة بضربات قوية ومتتالية، كأن أحداً يحاول كسر الباب. فزعت ابنتي وركضت إلى أحضاني، بينما وقف محمود بذهول.

​ذهبت خلفه وهو يفتح الباب بحذر. كانت تقف هناك… ضرتي “شهيرة”، ووجهها شاحب كالموت، وخلفها تقف امرأة عجوز يتجاوز عمرها السبعين، بملامح حادة وعينين يشعان قسوة وذعراً. كانت أمها.

​دخلت العجوز الشقة دون استئذان، ونظرها أسرع مباشرة إلى الطاولة حيث يمتد الفستان والصورة.

​صرخت العجوز بصوت يرتجف خذلاناً وغضباً:

— أنتِ إزاي تفتحي الصندوق ده يا شهيرة؟! إزاي تبعتي الزفت ده هنا؟!

​تقدمت شهيرة وهي تبكي بالدموع، تتطلع بيني وبين محمود وأمها:

— فهموني في إيه! أنا لقيت الفستان في الصندوق، وأمي أول ما شافته معايا زمان كانت دايماً تخبيه وتقول ده شؤم. ولما اتجوزت محمود، هي اللي قالتلي من فترة قريبة: “لو عايزة تخربي بيت ضرتك ونكدك يربك حياتها، ابعتيلها الفستان ده هدية وقوليلها مطلعش مقاسك!”… أنا افتكرتها تميمة أو فكرة عشان أضايقك يا سعاد… والله ما كنت أعرف حاجة!

​التفت محمود إلى العجوز، وعيناه تتفجران غضباً لم أره فيه من قبل. أمسك بالفستان ورفعه في وجهها:

— الفستان ده كان على جسم نوال ليلة ما أخدتوها مني! الفستان ده جيه هنا إزاي يا حكمة؟! وشريط الاسم ده… نوال هي اللي طرزته! لو نوال ماتت في حادثة زي ما حسستيني طول السنين دي… الفستان ده وصل صندوقك إزاي ونضيف ومغسول ومفيش فيه قطرة دم واحدة؟!

​ساد صمت خناق في الصالة. بدأت الحقيقة تتكشف كخيوط العنكبوت الناعمة التي تحيط برقابنا جميعاً.

​تراجعت العجوز “حكمة” إلى الخلف، وشفتاها ترتجفان. نظر إليها الجميع بانتظار الإجابة.

​بكت شهيرة بصوت عالٍ:

— ياما… اتكلمي! هو محمود بيقول إيه؟ ومين نوال دي؟ وليه صورتها مع جوزي وهو شاب؟ وأنا مين؟!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *