ماما اسمعيني

 

​”ماما… بابا مستنيكي تموتي. أرجوكي ما تفتحيش عينيكي.”

​دي كانت أول حاجة سمعتها بعد اتناشر يوم كنت محبوسة فيهم في ضلمة تقيلة وتخنق… كأني مدفونة صاحية.

​ما كنتش قادرة أتحرك.

​ما كنتش قادرة أتكلم.

​حتى النفس كان بيعمل وجع يقطع في دماغي.

​بس عرفت الصوت ده فوراً.

“يوسف…”

ابني الصغير اللي عنده تسع سنين كان واقف جنب سرير المستشفى، بيعيط في صمت، وإيده الصغيرة ماسكة إيدي بنفس الطريقة اللي كان بيمسكني بيها لما الدنيا تشتي وتطقطق رعد.

​”ماما… لو سامعاني، اضغطي على إيدي. أرجوكي.”

حاولت.

حاولت بجد والله.

بس جسمي ما كانش بيستجيب خالص.

​دخلت الممرضة، وكانت بتتكلم عن المحاليل، وضغط الدم، وإزاي إنها “معجزة” إني لسه عايشة. وقالت إن عربيتي الـ SUV اتقلبت من منحدر جبلي على الطريق الصحراوي.

كل الناس كانت بتكرر نفس القصة:

​”يا حبيبتي يا مريم… فقدت السيطرة على الدريكسيون عند الملف.”

​بس أنا ما كنتش فاكرة إني فقدت السيطرة خالص!

آخر حاجة فاكراها كانت ماجد — جوزي — وهو قاعد على ترابيزة المطبخ، وبيزق ناحيتي كومة ورق:

“امضي هنا بس يا مريم. ده عشان نأمن أملاكنا.”

أنا رفضت.

وفي نفس الليلة… الفرامل قطعت!

​باب الأوضة اتفتح تاني، يوسف ساب إيدي بسرعة.

“أنت هنا تاني؟” صوت ماجد كان بارد ويقطع الخميرة من البيت. “قلتلك مية مرة، هي مش سامعاك.”

“كنت عايز أشوفها بس.”

“روح اقعد برة مع خالتك علا.”

​علا… أختي الكبيرة.

اللي كانت بتضفرلي شعري زمان. اللي س لفتني فستانها في فرحي. اللي عيطت قدام الناس كلها وقالت إنها مستعدة تضحي بعمرها عشان تنقذني.

سمعت صوت كعب جزمتها وهو بيخبط على الأرض، وراه ريحة برفانها الغالي المستفز.

​قالت: “سيبه يودعها… المحامي والموثق زمانهم على وصول.”

ماجد رد عليها: “الدكتور قالها صريحة، أنا مش هصرف دم قلبي وأضيع فلوسي عشان أخلي جسم فاضي عايش على الأجهزة.”

​جسم فاضي!

الغل والغلان طبخوا في دمي.

​يوسف قال وصوته بيترعش: “مامي هترجع وتصحي.”

ماجد ضحك ضحكة صفرا وناشفة:

“لأ، مش هترجع.”

​علا قربت أكتر، وعدلتلي خصلة من شعري، وقالت بصوت واطي:

“حتى وهي في الحالة دي، تموت في لفت الانتباه.”

وبعدين وطت صوتها خالص:

“أول ما مريم تكلّف (تموت)، هناخد الولد ونطلع بيه برة البلد. كل حاجة جاهزة ومترتبة.”

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *