قبل فرحي بيومين

أبويا كان قاعد في الصف الأول، ولسانه كان بينه وبين نفسه، ومتأكد إن خطته نجحت. لحد ما شافني داخلة مش مکسورة، ولا مڼهارة، ولا لابسة ملابس عادية، لكن داخلة بكل هيبتي وكرامتي. الابتسامة الواثقة اللي كانت مرسومة على وشه اختفت في لحظة، وبدلها نظرة حيرة وڠضب وقلق. حاجة قالت له إن فيه حاجة مش مظبوطة، وإن كسبه اللي فاكره مش أكيد.
أخويا اللي كان بيهمس لأمي من شوية ويقولها استني بس، هتجي تطلع عينها من العياط وتقول مش عارفة تعمل إيه، وقف فجأة، وفمه بقي مفتوح على وسعه، مش قادر يستوعب اللي بيحصل. وأمي كانت بتشد على إيد أبويا بقوة، وعينيها بتتحرك بسرعة بيني وبين الباب، وكأنها حاسة إن مصېبة أكبر من قطع الفساتين جاية في الطريق.
موقع أيام نيوز
لكن ده كله كان مجرد البداية.
لأن بعد ما خطيت خطوتين أو تلاتة جوا الكنيسة، سمعت صوت خطوات تانية قوية ورايا. وقفت ولفيت شوية، وشفت الراجل اللي اتفقت معاه يجي معايا. راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة رسمية نظيفة، وشكله وقور، وفي إيده ملف جلدي قديم جداً، لونه بقي بيج باهت مع مرور السنين، وحوافه متآكلة من كتر ما اتلف واتحفظ عليه سنين طويلة.
دخل الراجل وسكت المكان أكتر. كل المعازيم بدأوا يبصوا لبعض، ويسألوا في سرهم مين ده؟ وإيه اللي جابه يوم الفرح ده؟ وإيه الملف الغريب اللي في إيده؟
مشى الراجل بثبات، وكل خطوة كان بيخطيها كانت بتوصل صداها لكل ركن في الكنيسة. وصل لحد الصف الأول، ووقف مباشرة قدام أبويا. بص له أبويا بنظرة ڠضب واستغراب، ولسانه بدأ يرتجف قبل ما يتكلم، وكأنه عرف الشخص ده من أول نظرة.
قال الراجل بصوت واضح وعالٍ، وصل لآخر شخص في الكنيسة
إزيك يا أستاذ محمود؟ زمان طويل ما شفناش وش بعض. أكيد نسيتني، ولا يمكن ما نسيتش أبداً.
أبويا حاول يخلي صوته قوي، لكن طلع ضعيف ومتقطع
إنت إيه اللي جابك هنا؟ مين سمح لك تدخل؟ إيه الملف ده؟ أخرج بره فوراً، ده يوم فرح بنتي، مش مكان للناس الغرباء!
ضحك الراجل ضحكة باردة ما فيها أي مرح، وقال
غرباء؟ أنا مش غريب يا محمود. أنا الشخص اللي ضيعت عليه سنين عمره، وشوهت سمعته، وډمرت مستقبله عشان تخلص نفسك. واخترت أجي النهاردة بالذات، لأنك اخترت الليلة اللي فاتت عشان تدمر فرحة بنتك، فأنا جيت عشان أوري الناس كلها الحقيقة اللي خبيتها 22 سنة.




