س خط اطفال

كانت الكلمات مرسومة بخط أطفال مهزوز، لكن وقعها على قلب شريف كان أقوى من أي اتهام. فضل واقف يبص للورقة وهو مش قادر يستوعب إن بناته وصلوا لمرحلة إنهم يستخدموا الصمت عشان يعبروا عن وجعهم.
حاول يكسر السكون وقال وهو بيبتسم بالعافية: “يلا يا بنات… مين عايز يفطر مع بابا؟”
ولا واحدة ردت.
ملك بصت في الأرض، ومايا حضنت أختها الصغيرة ليان، وكل اللي اتسمع في الأوضة كان صوت أنفاسهم.
لأول مرة من يوم وفاة أمهم ياسمين، حس شريف إنه غريب جوه بيته.
نزل لشغله وهو متوتر، لكن حتى في الاجتماع الكبير مع رجال الأعمال كان عقله معلق بالرسالة. كل شوية يطلع الورقة من جيبه ويقراها من جديد.
وفي نفس الوقت، كانت ندى راجعة لشقتها الصغيرة في شبرا، شايلة هم إنها خسرت الشغل الوحيد اللي كانت بتصرف منه على والدتها المريضة. حاولت تتمالك نفسها، لكن أول ما قفلت باب الشقة انفجرت في العياط.
بصت لصورة أبوها الله يرحمه وقالت: “أنا معملتش حاجة غلط… أنا بس حبيت الأطفال.”
في المساء، رجع شريف البيت وهو متوقع إن البنات يكونوا نسوا اللي حصل، لكنه اتفاجئ إن الأكل زي ما هو على السفرة، والتلاتة قاعدين في الصالة بيرسموا من غير ما ينطقوا بكلمة.
قرب منهم بهدوء، فلقى كل واحدة رسمة قدامها.
الأولى رسمت ست ماسكة إيد تلات أطفال.
والتانية رسمت باب بيت مفتوح وست ماشية وهي بتعيط.
أما ليان… فرسمت راجل واقف لوحده، وحواليه البيت كله ضلمة.
شريف حس بغصة في قلبه، لكن قبل ما يسألهم عن معنى الرسومات، رن جرس الباب.
فتح، فلقى ظرف أبيض من غير اسم.
أول ما فتحه، لقى جواه صورة قديمة ورسالة قصيرة خلت لون وشه يتغير في لحظة… وكأنه شاف سر كان فاكر إنه اندفن للأبد.
شريف مسك الصورة بإيد بتترعش. كانت صورة قديمة ليه وهو واقف قدام مستشفى، شايل ملك ومايا وهما لسه رضّع، ووراهم ياسمين بتضحك وهي حامل في ليان. الصورة دي كان فاكر إنها اختفت من سنين.
أما الرسالة، فكان مكتوب فيها:
“لو كنت فاكر إن بناتك محتاجين بيت كبير وفلوس وبس… يبقى إنت لسه ماعرفتهمش.”
فضل يبص حواليه يدور مين اللي بعت الظرف، لكن الشارع كان فاضي.
دخل البيت وهو مخنوق، وحط الصورة في درج مكتبه من غير ما حد يشوفها.
في اليوم اللي بعده، مديرة مدرسة البنات اتصلت بيه وطلبت يقابلها ضروري.



