حكايه صافيه بقلم ملك ابراهيم

صافية سكتت شوية، الدموع كانت متحجرة في عينيها. الفرحة اللي كانت مالياها كلها طارت. كل الأحلام الوردية اللي كانت راسماها للقاهرة اتكسرت في لحظة. افتكرت أهلها في البلد، كلام أبوها “يا صافية، اوعي ترجعي مكسورة، دراستك دي هي سلاحك”. افتكرت أمها ودموعها وهما بيودعوها، “متكسفيناش يا بنتي، إحنا مستندين عليكي”.
لو رجعت دلوقتي، هتقولهم إيه؟ إنها معرفتش تتأقلم؟ إنها مكملتش دراستها؟ استحالة! أهلها عمرهم ما هيوافقوا إنها تعيش لوحدها في القاهرة، وده كان الحل الوحيد عشان تكمل تعليمها. مفيش حل تاني قدامها غير إنها تستحمل وتصبر.
خدت صافية نفس عميق وحاولت تخلي صوتها ثابت على قد ما تقدر. “اللي تشوفيه يا مرات خالي. أنا هنا تحت أمرك.”
ابتسمت مدام نيفين ابتسامة باردة كده، كأنها انتصرت. “شاطرة يا صافية، عجبني كلامك ده. تعالي بقى أوريكي أوضتك، عشان ترتاحي من تعب السفر، وبكرة نشوف هتبدأي في إيه.”
قامت صافية ورا مدام نيفين، وهي حاسة إن رجليها مش شايلاها. مشيت وراها في ممرات طويلة، كلها أبواب مقفولة، لحد ما وصلوا لآخر الفيلا. فتحت مدام نيفين باب صغير، وأشارت لصافية.
“دي أوضة الخدم، هتقعدي فيها مؤقتًا لحد ما نشوف مكان تاني مناسب ليكي.” قالتها ببرود، وكأنها بتقول خبر عادي.
صافية دخلت الأوضة اللي كانت صغيرة، فيها سريرين فوق بعض، ودولاب قديم. كان فيه بنتين قاعدين على سرير منهم، بصوا لصافية باستغراب.
“دول البنات اللي بيشتغلوا معانا، هيعلموكي كل حاجة.” وقبل ما صافية تلحق تتكلم، مدام نيفين سابتها وراحت.
صافية وقفت في نص الأوضة، شنطتها القماش لسه في إيدها. بصت للبنتين، وبصت للأوضة اللي المفروض تبقى بيتها الجديد. دمعة نزلت غصب عنها، مسحتها بسرعة قبل ما حد يشوفها. “لازم أكون قوية، لازم أتحمل.” قالت لنفسها بصوت واطي، وقررت إنها هتصبر وتتحمل كل حاجة عشان توصل لهدفها، وتكمل دراستها. دي بداية جديدة، حتى لو كانت صعبة، لازم تعديها.
عدى أسبوع على صافية في الفيلا الكبيرة دي، وكل يوم بيعدي بيثبتلها إنها دخلت عالم غريب عنها تمامًا. مدام نيفين مكانتش بتهزر لما قالت إن صافية “هتساعد” في البيت. صافية لقيت نفسها بتشتغل زي أي حد من الخدم بالظبط. من تنضيف وتلميع لحد المساعدة في المطبخ، كله كوم، وشرط مدام نيفين الجديد كوم تاني خالص.



