كنا قاعدين علي السفره

التفت الحاج عبد الحميد لوائل وبص له بحكمة وقال: “عشان السوق مبقاش فيه رجالة بأصول الأسطى متولي. أنا بقالي عشرين سنة بتعامل مع أبوك، وعمري ما شفت منه غش، ولا تأخير في ميعاد، ولا أكل حق حد. امبارح لما الحريقة قامت، رجالة السوق كلها كلمتني وقالوا لي الحق فلوسك متولي هيضيعك، لكن أنا قولت لهم: متولي لو مات هيسدد اللي عليه من تحت الأرض.. الراجل اللي زي أبوك يا ابني، اسمه في السوق ضمان أكبر من أي بنك. أنا مش بغامر بفلوسي، أنا بستثمر في راجل أصيل، وعارف إن الورشة دي هترجع تقف على رجليها في شهر واحد.”

بابا مكنش قادر ينطق كلمة واحدة، الدموع نزلت من عينيه زي الشلال، بس المرة دي مكنتش دموع كسرة، كانت دموع فخر وعزة نفس. قرب من الحاج عبد الحميد وأخده بالاحضان وهو بيقول: “ستر تني قدام عيالي يا حاج، ربنا يسترها معاك في الدنيا والآخرة.”

الحاج عبد الحميد طبطب على ضهره وقال: “شد حيلك يا أسطى، بكرا الصبح المقولين بتوعي هيكونوا عندك في الورشة عشان يشيلوا الرماد ويبدأوا بنا.. أشوفكم على خير.” ونزل الراجل وساب وراه طاقة أمل قلبت البيت كله لفرحة مكنش حد يتخيلها.

ماما قعدت في الأرض تبكي وتشكر ربنا، وتسنيم جريت جابت مية وسكر لبابا اللي كان لسه مش مصدق. وائل قرب من بابا وأخده في حضنه تاني وقال له: “شفت يا أبا؟ الأصول اللي عشت بيها طول عمرك هي اللي ردت لك اعتبارك النهارده وحمتك من الحبس.. اسمك وشرفك هما اللي بنوا الورشة من جديد قبل ما نحط فيها قالب طوب واحد.”

بابا بص لنا كلنا، وعينيه جت على تسنيم، افتكر اللحظة اللي كسر فيها بخاطرها عشان خاطر لقمة، وافتكر إزاي ربنا جازاه على طولة باله وأصوله في الآخر. قرب من تسنيم وطبطب على رأسها وقال لها بنبرة حنونة: “سامحيني يا بنتي.. البيت ده انكتب له عمر جديد من يوم ما دخلتيه، والجمبري اللي ربنا رزقنا بتمنه الصبح في عز الضيقة، كان هو السبب إننا نتلم اللمة دي ونعرف قيمة بعض.”

وفي اليوم التالي، الشارع كله كان واقف بيتفرج على العمال وهما بيبنوا الورشة من جديد، وبابا ووائل واقفين كتف في كتف بيشرفوا على الشغل، وأنا وماما وتسنيم واقفين في البلكونة بنبص عليهم والابتسامة مش مفارقة وشوشنا.. البيت اللي كان على وشك إنه يتخرب ويضيع، رجع أقوى وأمتن، لأن الأساس بتاعه مكنش فلوس ولا حيطان، كان الأصول وحب الناس وجبر الخواطر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *