كنا قاعدين علي السفره

أخويا فتح الباب على آخره، والسلالم برا كانت ضلمة وكئيبة، سحب الشنطة وخرج أول خطوة.. وأنا واقف مشلول مش عارف أعمل إيه، هل أشد أخويا؟ ولا أقف قدام بابا؟
وفجأة، ومن غير أي مقدمات، سمعنا صوت كركبة جامدة على السلم برا، وصوت نفس عالي ومقطوع كأن في حد بيجري وبيتفادى السلالم بسرعة. أخويا وقف مكانه على العتبة ومخرجش، وتسنيم رجعت خطوة لورا.. وفجأة ظهر على باب الشقة “عم فرج” بتاع السمك!
عم فرج كان بينهج، ووشه عرقان، وماسك في إيده الشنطة السودا التانية اللي أنا مأخدتهاش الصبح. الراجل بص في الصالة، شاف الشنطة الكبيرة وشاف تسنيم بتعيط، وفهم الليلة في ثانية. دخل خطوتين جوه الشقة من غير ما حد يأذن له، وحط الشنطة السودا على الترابيزة بكل قوته وقال بصوت جهوري هز الحيطان:
“جرى إيه يا حجي متولي؟! جرى إيه يا راجل يا طيب يا بتاع الأصول؟! بقالي تلاتين سنة جاري في السوق وعمري ما شفتك بتكسر بخاطر حد! ابنك حسن جالي الصبح مرعوب وكأنه بيسرق، وأنا كملت نظافة السمك ولقيتني نسيت أديله بطارخ الجمبري والشوربة اللي أم حسن وصتني عليها.. جيت جري وراك عشان ألحقك قبل ما تروح الورشة، لقيت الجيران بيقولوا إنك رجعت البيت غضبان!”
بابا لف وشه لعم فرج، وملامحه اتغيرت تماماً، الصدمة ظهرت على وشه لأن الموضوع خرج برا حدود العيلة وبقى قدام أهل المنطقة. عم فرج محطش فرصة لبابا يتكلم، وقرب منه وحط إيده على كتفه وقال بلوم شديد: “يا متولي.. الجمبري غالي صح، والدنيا ضنك على الكل.. بس العروسة دي غريبة وسطنا، والأكل ده هفية نفس، ربنا اللي قال {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ}. تكسر بخاطر عيلتك عشان خاطر لقمة؟ دي لقمة وهتعدي، بس الزعل بيبني جبال.. عيب في حق شيبتك واسمك في السوق إن ابنك يطفش من بيتك في أول شهر جوازه عشان لقمة!”
الكلمات دي كانت تقيلة، وعم فرج داس على الجرح اللي بابا بيخاف منه.. “كلام الناس والسمعة في السوق”. بابا بص لعم فرج، وبعدها بص لأخويا اللي كان واقف على الباب والشنطة في إيده، وبص لماما اللي كانت منهارة في الأرض.
الصالة بقت تالت مرة في يومين تدخل في حالة سكون مرعبة.. بابا أخد نفس طويل، ورفع إيده ومسح على وشه وعينه، وبدأ يتحرك ببطء ناحية الباب حيث يقف أخويا. كلنا كتمنا أنفاسنا.. هل هيطرد عم فرج ويقفل الباب ورا ابنك؟ ولا العند هينكسر لأول مرة؟




