كنا قاعدين علي السفره

الحضن ده كان فيه كلام كتير أوي مكنش ينفع يتقال. عم فرج ضحك بصوت عالي وهز الصالة وهو بيقول: “أيوا كده يا حجي متولي! هي دي الأصول اللي نعرفها عنك! يلا يا أم حسن، هاتي الطاجن ده يسخن تاني، وجيبي الشنطة التانية دي فيها شوربة وبطارخ تستاهل بوقكم.. النهارده يوم عيد في البيت ده!”
ماما جريت على المطبخ وهي طايرة من الفرحة، وأنا جرت وراها أساعدها، وتسنيم دخلت معانا وشها منور والابتسامة رجعت لوشها من تاني. رجعنا رصينا السفرة من جديد، وبابا قعد في رأسه كالعادة، وجنبه عم فرج، وأخويا ومراته قعدوا جنب بعض.
اللمة كانت دافية، وصوت الملاعق رجع يرن تاني، بس المرة دي برنين فرحة وهزار. بابا كان بياكل ويحط في طبق تسنيم وهو بيقولها: “كلي يا بنتي.. اتغذي عشان اللي جاي في السكة.” والبيت كله ضحك من قلبه.
وف وسط القعدة والانبساط ده، وعم فرج بيتكلم مع بابا في الشغل.. فجأة تليفون بابا اللي محطوط على الترابيزة بره في الصالة بدأ يرن بصوت عالي ومستمر. الرنة مكنتش عادية، كانت رنة ورا رنة كأن في مصيبة حصلت.
بابا قام وقف، واستأذن ودخل الصالة يمسك التليفون. أول ما رد، وش ملامحه اتغيرت في ثانية.. الضحكة اختفت، ووشه قلب أصفر زي الليمونة، وجسمه بدأ يترعش وهو بيسمع الكلام اللي بيتقال له في السماعة.
أخويا وائل لاحظ التغيير وقام وقف وبص له بقلق: “في إيه يا بابا؟ مين بيكلمك؟”
بابا نزل التليفون من على ودنه ببطء، وبص لنا كلنا بنظرة رعب عمري ما شفتها في عينه قبل كده، وقال بصوت حابس ومقطوع:
“الورشة.. الورشة بتتحرق، وكل الشغل والماكينات اللي فيها طارت في الهواء!”
الكلمة نزلت على دماغي ودماغ أخويا زي الصاعقة. الورشة مش مجرد مكان بابا بيشتغل فيه، الورشة دي هي عمره كله، شقا سنينه، والمصدر الوحيد اللي بنعيش منه وبنسدد منه ديوننا. في ثانية، اتحولت قعدة الفرح لخراب ملوش أول من آخر.
بابا التليفون وقع من إيده على الأرض، والشاشة اتشرخت، وفضل واقف مكانه زي اللي اتضرب على رأسه، عينيه زاغت وضهره انحنى فجأة كأنه كبر عشرين سنة في لحظة. عم فرج رمى اللقمة من إيده وقام وقف وهو بيزعق: “يا ساتر يا رب! ورشة إيه اللي بتتحرق يا متولي؟! اخلصوا يا رجالة.. بسرعة على هناك!”
أخويا وائل جرى على باب الشقة وفتح الباب وهو بيصرخ فيّ: “حسن! سيب اللي في إيدك وتعال ورايا بسرعة!” ماما وتسنيم وقفوا في نص الصالة يصرخوا ويلطموا على خدودهم، والصوت العالي ملى البيت. بابا مشي خطوتين ووقع على الكرسي وهو مش قادر يِصلب طوله، وائل رجع مسكه من تحت باطه وقومه وهو بيقوله: “اجمد يا أبا.. اجمد ورايا، طول ما احنا في ضهرك مفيش حاجة تكسرنا!”


