كنا قاعدين علي السفره

نزلنا السلم جرى، والمنطقة كلها كانت مقلوبة. أول ما وصلنا أول الشارع اللي فيه الورشة، شفنا المنظر اللي يوقف الدم في العروق.. دخان أسود مغطي السماء، وصوت فرقعة الصاج والماكينات وهي بتاكلها النار مسموع من بعيد، والناس بتجري بجرادل المية والتراب بيحاولوا يطفوا، بس النار كانت أقوى من الكل لأن الورشة فيها زيوت وتنر ومواد سريعة الاشتعال.
بابا أول ما شاف ورشته والنار طالعة من شبابيكها، صرخ صرخة مكتومة ورمى نفسه في وسط النار، لولا إن عم فرج ووائل مسكوه بكل قوتهم وثبتوه في الأرض. بابا كان بيعافر ويصرخ: “سيبوني! شقا عمري بيروح يا فرج! ديون الناس هتحبسني يا وائل! سيبوني أموت جوة!”
في اللحظة دي، عربية الإطفاء وصلت وبدأت خراطيم المية تترفع، والناس بتزقنا لورا. فضينا واقفين تلات ساعات كاملين تحت الشمس والدخان، عينينا مش بتفارق النار وهي بتاكل كل مكنة بابا اشتراها من عرق جبينه، لحد ما النار انطفت تماماً وبقت الورشة عبارة عن كوم رماد أسود وفحم، والجدران مشققة وآيلة للسقوط.
رجعنا البيت وإحنا شايلين بابا شيل. الراجل مكنش بيتكلم، عينه مثبتة في الفراغ، وجسمه كان متلج رغم حرارة الجو. ماما أول ما شفتنا بالمنظر ده، عرفت إن كل حاجة راحت. تسنيم جريت جابت مية بليمون لبابا، وقعدت تحت رجليه وهي بتعيط وبتقوله: “فداك يا عمي.. فداك الدنيا كلها، المهم أنت تقوم بالسلامة، والفلوس بتروح وتيجي.”
قعدنا كلنا في الصالة لحد نص الليل، السكوت رجع تاني بس المرة دي مكنش صمت زعل، كان صمت مصيبة ومستقبل ضاع. بابا فجأة بص لوائل وقال بصوت مرعش ومبحوح: “الورشة كان فيها شغل لناس تقال يا وائل.. واخد منهم مقدمات فلوس عشان أشتري خشب وبضاعة، والخشب كله اتحرق. أنا هتحبس يا ابني.. أبوك شرفه هيروح في السوق.”
وائل قرب من بابا، وقعد على ركبه قدامه، ومسك إيديه الإتنين وباسهم وقال بنبرة حديد عمري ما سمعتها منه قبل كده: “شرفك مش هيروح طول ما أنا عايش يا أبا. أنا بكرا الصبح هنزل السوق، وهكلم التجار، وهبيع حتة الأرض اللي جدي سابهالي في البلد، وهنسدد كل مليم.. والورشة دي هتبنيها إيدي وإيدك من جديد.”
بابا بص لوائل ونزلت دموع حارة من عينيه، وحضنه وهو بيستغفر ربنا.
تاني يوم الصبح، بابا منامش، فضل قاعد على السجادة بيصلي ويدعي. وعلى الساعة عشرة الصبح، الباب خبط خبطات قوية ومنتظمة. أنا قمت فتحت الباب، لقيت واقف قدامي راجل هيبته كبيرة، لابس بدلة كاملة، ووراه اتنين رجالة جسمهم عريض باين عليهم حراس. الراجل بص لي وقال بصوت رخيم وفيه حدة:



