كنا قاعدين علي السفره

“ده بيت الأسطى متولي؟ أنا الحاج عبد الحميد.. صاحب البضاعة والشغل اللي كان في الورشة امبارح.”
أخويا وبابا قاموا وقفوا بسرعة وخرجوا للصالة، وبابا وشه جاب مية لون ولون وهو حاسس إن لحظة الحساب والقرارات الصعبة بدأت دلوقتي.. والحاج عبد الحميد دخل الصالة، وبص لبابا بنظرة غامضة ومطلع من جيبه دفتر شيكات وقلم!
الحاج عبد الحميد خطى خطوات ثابتة جوه الصالة، الهيبة اللي داخل بيها خلت الكل يتسمر في مكانه. قعد على أقرب كرسي من غير ما حد يعزمه، وحط دفتر الشيكات والقلم على الترابيزة قدامه، وبص لبابا اللي كان واقف وشه أصفر وإيديه بترتعش، وورا ظهره أنا ووائل وماما وتسنيم واقفين والأنفاس كلها مكتومة.
بابا بلع ريقه بالعافية، وقرب بخطوات تقيلة وقال بصوت مكسور: “أهلاً يا حاج عبد الحميد.. أنا.. أنا عارف أنت جاي عشان إيه. موضوع الورشة ده قضاء وقدر، والنار أكلت الأخضر واليابس، وشغلك كله اتفحم.. بس أنا مش هأكل عليك مليم واحد، ابني وائل هيبيع أرضه في البلد وهنسدد لك كل مقدماتك، بس إدينا مهلة كام يوم.”
الحاج عبد الحميد فضل باصص لبابا بنظرة غامضة، ملامحه مكنتش بتقول إنه غضبان، ولا كانت بتقول إنه شمتان. فتح دفتر الشيكات براحة، ومسك القلم وكتب مبلغ، وقام وقف وقطع الشيك من الدفتر ومده بإيده لبابا.
بابا بص للشيك ورفض يمد إيده، وقال بعزة نفس رغم الكسرة: “أنا مباخدش تعويض من حد يا حاج، بضاعتك هي اللي اتحرقت وعوضك على الله، وأنا هرد لك فلوسك.”
الحاج عبد الحميد ابتسم ابتسامة خفيفة وهز رأسه: “خد الشيك يا أسطى متولي، وبص على الرقم اللي فيه الأول.”
بابا مد إيده وخد الشيك وعينيه جت على الرقم.. وفجأة عينيه اتفتحت على آخرهم وبص للحاج عبد الحميد بذهول: “إيه ده؟! ده مبلغ كبير أوي يا حاج.. ده أضعاف فلوس المقدم اللي أنت دفعته!”
الحاج عبد الحميد حط إيده في جيبه وقال بصوت جهوري ماليان ثقة: “المبلغ ده مش تعويض، ولا هو فلوسك القديمة.. المبلغ ده دفعة أولى عشان تبني الورشة من جديد وتشتري مكن أحدث من اللي اتفحم، وباقي المبلغ ده عشان تشتري خشب جديد لشغلي وشغل الناس التانية اللي اتأذت في الحريقة.”
كلنا بصينا لبعض ومش مصدقين اللي بنسمعه. وائل أخد خطوة لقدام وقال باستغراب: “بس ليه يا حاج عبد الحميد؟ أنت تاجر والسوق مبيشيلش، إيه اللي يخليك تغامر بفلوسك مع راجل ورشته بقت كوم رماد؟”




