كنا قاعدين علي السفره

بابا وقف على بعد خطوة واحدة من أخويا. النظرة اللي في عينيه مكنتش غضب، كانت نظرة راجل مكسور الكبرياء، راجل لقى نفسه فجأة غريب في وسط بيته والكل باصص له على إنه ظالم. فضل باصص لأخويا كام ثانية، وعينيه عدت على الشنطة الكبيرة اللي في إيد ابنه، وكأن الشنطة دي هي السكينة اللي هتقطع حبل العيلة للأبد.
عم فرج فضل واقف مراقب الوضع، وماما سكتت وفتحت عينيها على آخرهم وهي بتدعي في سرها إن الليلة تعدي على خير. بابا التفت لعم فرج وقال بصوت خشن بس واطي، فيه نبرة عتاب: “ما عاش ولا كان اللي يكسر بكلمتي في السوق يا فرج.. بس البيوت ليها أسرار، وأنت دخلت في وقت مش وقتك.”
عم فرج هز رأسه وقال بحكمة: “أنا دخلت بيت أخويا وصاحب عمري يا متولي، والسر اللي بيني وبينك مبيطلعش بره.. بس ابنك هيمشي، والماشية دي مش هترجعوا بعدها زي الأول. فكها بقا يا راجل، وخلي المركب تسير.”
بابا دار وشه، وبص لأخويا اللي كان لسه ناشف ومصلب طوله على الباب. بابا مد إيده براحة، وحطها على دراع أخويا اللي ماسك الشنطة، وضغط عليها ضغطة خفيفة.. ضغطة فيها رجاء داري ومستخبي ورا هيبته. وقال بصوت هادي لأول مرة من امبارح: “نزل الشنطة دي يا وائل.. ودخل مراتك جوه.”
أخويا محركش الشنطة، وفضل باصص في عين بابا وقال بنبرة واضحة: “أنزلها عشان نتهان تاني يا بابا؟ أنا مستعد أتحمل أي حاجة، إلا إن مراتي تبكي وتتحوج وهي في بيتي.”
بابا غمض عينيه وأخد نفس طويل، وكأنه بيبتلع كبريائه كله في اللحظة دي، وبص لتسنيم اللي كانت واقفة ورا أخويا وبترتعش. بابا قال بصوت واضح وعالي عشان الكل يسمعه: “البيت ده بيتك يا بنتي.. وأنا امبارح الشيطان ركب راسي من الضغطة اللي بره في الشغل والديون اللي عليا للورشة. مكنش العيب فيكي ولا في طلبك، العيب في الزمان اللي مخلي الراجل مش ملاحق على لقمته. حقك عليا.. والجمبري اللي طبختوه الصبح، هناكل منه كلنا سوا دلوقتي.”
الكلام ده نزلت على الصالة زي البلسم. ماما شهقت من الفرحة وحطت إيدها على بوقها، وتسنيم دموعها نزلت تاني بس المرة دي دموع راحة وأمان. أخويا بص لبابا، ولقى عين أبوه مدمعة لأول مرة في حياته.. اللحظة دي كسرت كل الغضب اللي جوه وائل. ساب الشنطة من إيده فجأة، ووقعت على الأرض، وقرب من أبوه وأخده بالحضن.




