كنا قاعدين علي السفره

كلنا وقفنا ورا ظهره وأنفاسنا مكتومة. المطبخ كان نضيف، بس طاجن الجمبري مكنش في مكان ظاهر. بابا دخل، فتح الحلة اللي على البوتاجاز.. لقاها فاضية. بص في الحوض.. ملقاش مواعين. لكن الريحة جوه المطبخ كانت مركزة لدرجة تخنق. التفت لينا وقال وهو بيقفل عينيه نص قفلة: “الخل والليمون بيعملوا ريحة أكل مستوي يا أم حسن؟ أنا مش عيل صغير عشان تتفقوا عليا.. في إيه استوى في المطبخ ده والنهارده بالذات؟”
أخويا أخد خطوة لقدام، وصوته طلع خشن ومفهوش خوف: “جرى إيه يا بابا؟ هو احنا عاملين جريمة؟ البيت ريحته أكل، إيه المشكلة يعني؟”
بابا ساب المطبخ وطلع وقف قدام أخويا بالظبط، النظرة بقت تحدي وكسر إرادة: “المشكلة لما أحس إن في حاجة بتتعمل من ورا ظهري في بيتي. المشكلة لما كلمتي تنزل الأرض وامبارح بس قايل مفيش دلع ومفيش مصاريف ملهاش لزمة، والنهارده أشم ريحة حاجة غريبة.. أنت اشتريت حاجة من ورايا يا حسن؟” بص ليّ أنا فجأة بالسؤال ده.
أنا اتلعثمت، وبصيت في الأرض ومقدرتش أنطق. سكوتي كان شبه اعتراف.
بابا ضحك ضحكة صفرا وربَّع إيده: “تمام.. يعني اللعبة اتلعبت. نزلتم الصبح من ورايا وجبتم اللي هانم تتوحم عليه؟” وبص لتسنيم بنظرة لوم قاسية جداً.
تسنيم في اللحظة دي مقدرتش تستحمل، الكبت بتاع امبارح والخوف بتاع النهارده خلوها تنفجر في البكاء. قعدت على أقرب كرسي وحطت وشها بين إيديها وبقت تبكي بصوت يقطع القلب.
ماما هنا اتخلت عن هدوءها وخوفها، وقفت بين بابا وأخويا وقالت بصوت قوي وهز الصالة: “جرى إيه يا أبو حسن؟ جرى إيه يا راجل يا طيب يا صاحب الأصول؟! البنت مأكلتش لقمة من امبارح، نامت بدموعها في أول كام شهر ليها معانا.. أنا اللي بعت حسن، وأنا اللي طبخت، وأنا اللي قولت لازم البنت تاكل وتجبر خاطرها في بيتنا. لو كسر الخواطر عندك أصول، فالأصول دي مش بتاعتنا ولا بتاعة ربنا!”
الكلمات نزلت على الصالة زي الصاعقة. بابا أول مرة في حياته ماما تقف قدامه وتتكلم بالأسلوب ده وبالقوة دي. ملامحه اتحولت من الغضب لذهول تام، فضل باصص لماما وهو مش مصدق إن “أم حسن” الهادية المطيعة بتزعق في وشه وعشان مين؟ عشان خاطر مرات ابنها.
أخويا مسك إيد مراته تسنيم، وقومها من على الكرسي، وبص لبابا وقال له بلهجة حاسمة ونهائية: “احنا ملناش مكان هنا يا بابا.. أنا كنت مستني أشوف رد فعلك النهارده بعد ما هديت، كنت فاكر إنك هتيجي تطيب خاطرها بكلمتين، لكن أنت جيت تفتش وتدور وراكب دماغك. أنا هاخد مراتي وهمشي، واللقمة اللي هتدلني وتذل مراتي بيها، مش عايزها.”



