صاحب الجلالة

شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحتها…
رفع المدير حاجبه بدهشة مُصطنعة قائلّا:
قيود إيه.
رد الموظف.بتوضيح :
فيه تعليمـ . ـات مباشرة… بعدم صرف أي شيكات صادرة من الحساب ده حاليًا.
ساد صمت قـ,ـاتل… لم تنظر له… لم تستطع.
لكنها فهمت…
فهمت كل شيء… دون أن يُقال…
قبــ,,ـــــضت على طرف حقيبتها بقوة… حتى ابيضت أصابعها،
وصوت واحد فقط كان يتردد داخلها:
كانت كذبة مُتقنة.
رفعت رأسها أخيرًا… لكن عينيها لم تعد كما كانت.
لم يعد فيهما صدمة…بل شيء أخطر بكثير
إدراك متأخر…وثمن دُفع كاملًا…مقابل لا شيء.
فاقت من غفوة صورها لها عقلها… على يد مدير البنك فوق يدها يهزها بدهشة:
يا آنسة… يا آنسة.
أغمضت عينيها لوهة ثم فتحتهما باتساع
شهقت بسُعال حاد، كأنها خرجت لتوّها من غرقٍ مفاجئ… فتحت عينيها باتساع، تتلفت حولها بارتباك، بينما يد مدير البنك لا تزال فوق يدها يهزّها بقلق:
يا آنسة… يا آنسة، حضرتِك كويسة.
رمشت عدة مرات… كأنها تحاول طرد بقايا كابـ .ـوسٍ عالق بذهنها ، ابتلعت ريقها بصعوبة، وهمست بصوتٍ مبحوح:
أنا… أنا كويسة.
سحب المدير يده ببطء، ملامحه تحمل دهشة خفيفة:
شكلك اتوترتي زيادة عن اللزوم… بس مفيش داعي للقلق.
نظرت له بعدم فهم لثوانٍ… ثم انعقد حاجباها: الشيك.
..
وقبل أن يُجيب…
دُق الباب طرقًا خفيفًا، ودخل الموظف يحمل الأوراق، وعلى وجهه ملامح طبيعية هذه المرة.
تقدم خطوة وقائلًا باحترام:
يا أفندم، الرصيد متاح… وتمت الموافقة على الصرف.
تجمّدت للحظة…
ثم التفتت بسرعة نحو المدير، كأنها تتأكد أن ما سمعته حقيقي.
أومأ لها بهدوء قائلًا:
اتفضلي… تقدري تستلمي المبلغ.
سقطت الكلمـ . ـات عليها كالماء البارد… لكن ليس راحة خالصة، بل شيء ممزوج بارتباكٍ غريب.
مررت يدها على جبينها، وكأنها تتحسس الواقع قائلة باستفسار:
يعني… مفيش أي مشكلة.
رد الموظف بثقة:
لا يا أفندم، كله تمام.
سادت لحظة صمت قصيرة…
لكن هذه المرة لم تكن ثقيلة كما في رأسها منذ قليل.
أخفضت عينيها للحظة…
تتذكر…
نظرات الشك… كلمة “قيود”… ذلك الإحساس القاسي بالخديعة…
ثم رفعت رأسها ببطء.
وأدركت…
كل هذا… لم يحدث.
كان مجرد ومضة خـ . ـوف… كابـ .ـوس سريع مرّ بعقلها في لحظة ضعف…
لكن رغم ذلك…
قلبها لم يهدأ…
قبــ,,ـــــضت على حقيبتها قليلًا… كأنها تتمسك بشيء ثابت، ثم قالت بنبرة أكثر تماسكًا:
تمام… خلصوا الإجراءات.
لكن داخلها…
كان هناك سؤال واحد لم يختفِ:
ليه أول حاجة عقلي راح لها… إنه خدعني.

