صاحب الجلالة

قاطعه بنظرةٍ حادة، وصوتٍ أكثر صرامة:
لما تتدخل فى الحديث بيننا أنا أتحدث مع زوجتي… لا شآن لك بذلك.

سادت لحظة صمت ثقيل، قبل أن ترفع رأسها نحوه، بنبرةٍ لم تخلو من التحدي:
وماذا فعلت خطأ، أنا فقط أتحدث معه فى عمل خاص.

انفرجت شفتاه عن ضحكةٍ ساخرة، خالية من أي دفء:
عمل…عمل بتلك الوقفة وذلك الالتصاق.

اقترب خطوة، حتى صار صوته أقرب للهمس، لكنه أشد وقعًا:
لا تختبري صبري.

اشتدت ملامحها، وقالت بعناد:
وأنا لا أقبل أن تتكلم معي بهذا الشكل الفج.

نظر إليها طويلًا، بنظرةٍ اختلط فيها الغضب بشيءٍ أعمق… خذلان ربما، أو جـ,ـرحٍ لم يُفصح عنه. ثم تراجع خطوة، التقط حقيبته من الأرض بعنــ,,ـــــف، واستدار مغادرًا دون كلمةٍ أخرى.
خلفه، بقي الهواء مثقلًا بالتوتر، وصدى المواجهة عالقًا في المكان… كأن شيئًا انكسر، ولن يعود كما كان… بكل خطوة يلوم نفسه من أجل ماذا خسر جزء من نخوته، لكن لن يدعها هكذا يكفي…
خرج من بوابة النادي بخطواتٍ متسارعة، كأن الهواء نفسه صار خانقًا لدرجة لا تُحتمل. لم يكن الغضب وحده ما ينهش صدره، بل ذلك الشعور المربك الذي يتسلل خلفه دائمًا… الخذلان…
ضغط على مقبــ,,ـــــض حقيبته بقوة حتى ابيضت مفاصله، ثم أوقف السيارة بعنــ,,ـــــف كاد يلفت أنظار المارة… جلس خلف المقود لثوانٍ طويلة، يحدق في الفراغ، قبل أن يضـ,ـرب عجلة القيادة بكفّه ضـ,ـربة مكتومة.
_ ليه
همسها لنفسه أكثر مما هو سؤال.
لم يكن غريبًا عليه أن يغضب… لكن الغريب أن صورتها وهي تقف هناك، بثباتٍ لم يفهمه، كانت أكثر إزعاجًا من المشهد ذاته. كأنها لم تعد تبالي.
في المقابل…
داخل النادي، بقيت واقفة في مكانها بعد أن اختفى من أمامها… صدرها يعلو ويهبط ببطء، تحاول أن تُعيد ترتيب أنفاسها قبل أن يفضحها ارتجافها. لم تكن خائفة منه… بقدر ما كانت غاضبة من طريقته…
التفت إليها المسؤول محاولًا كسر التوتر بابتسامة خفيفة:
يبدو أنه شديد التملُك.

رمقته بنظرة باردة، قاطعة، ثم قالت بصوت منخفض لكنه حاسم:
لا تتدخل فيما لا يعنيك.

ثم استدارت وغادرت دون أن تضيف حرفًا…
في السيارة ، كان يقود دون وجهة واضحة… المدينة تمر بجانبه كظلال باهتة، وكل ما في رأسه يعيد المشهد نفسه بلا توقف. قربها منه… حديثها… تلك النظرة التي لم يعرف كيف يفسرها…
لكن ما لم يعترف به، حتى لنفسه، أن الغضب لم يكن وحده ما يشتعل داخله.
كان هناك صورة خذلان قديم، يعود كلما شعر أن شيئًا يقترب من أن يُنتزع منه مرة أخرى…
ضغط على مكابح السيارة فجأة عند إشارة حمراء، وأغمض عينيه لحظة طويلة، كأنه يحاول إسكات الضجيج داخله… ثم خرج صوته أخيرًا، منخفضًا، خافتًا:
مش هسمح الماضي يتكرر… مش تاني.
وفي تلك اللحظة، لم يكن يتحدث عنها وحدها… بل عن كل ما ترك فيه أثرًا سابقًا ولم يلتئم بعد.
لكن ما لم يكن يعلمه، أن المواجهة لم تنتهِ بعد… وأن الخطوة القادمة ستكسر صمتهما معًا، بطريقة لن يستطيع أي منهما تجاهلها.
❈-❈-❈
بـ ڤيلا راقية
بغرفة جانبية بالحديقة تُشبة ورشة صغيرة،
إنتهت من صب تلك القطعة النُحاسية، اصبحت شكلًا مُبهر، من يراها لو لم يكن لدية خبرة لقال أنها قطعة ذهبية أثرية،
لكن سُرعان ما شعرت بالضجر من تكرار رنيين الهاتف..
مسحت كفيها بقطعة قماش خشنة وهي تتأمل انعكاس الضوء على السطح النحاسي المصقول حديثًا، كأنها تحاول أن تلتقط منه شيئًا من الرضا… لكن الشعور كان أبعد ما يكون عن ذلك.
أطلقت زفرة قصيرة، ثم خلعت قفازي العمل بإهمال، قبل أن يمتد صوت الهاتف من جديد، هذه المرة بإصرارٍ أكثر حدة..
رمقته بنفاد صبر، ترددت لثواني، ثم التقطته أخيرًا.
أيوه.
خرج صوتها جافًا.
على الطرف الآخر، جاء صوت مألوف، رغم غضبه من تجاهلها الرد،لكن ابتلع ذلك قليلًا قبل:
مش بتردي ليه… اتصلت عليكِ اكثر من مرة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *