صاحب الجلالة

لم يُجب وقتها… فقط نظر إليها طويلًا.
أكملت، ونبرة صوتها تهتز رغم محاولتها التماسك:
أنا كنت بحلم أشوفك مع بنت بلدك… واحدة تفهمك من غير ما تشرح، تشيل اسمك وتربي عيالك على اللي اتربيت عليه.
تنهدت، ثم أضافت بمرارة خافتة:
مش عايزاك تصحى يوم وتحس إنك لوحدك… حتى وهي جنبك.
وحوابة كان كلمة “النصيب”
عاد إلى الواقع على صوت ضحكة
عروسه وهي تنظر إليه بحبٍ صادق، لا تعرف شيئًا عن ذلك الصراع الخفي الذي يسكن صدره.
توقفت خطواته لثانيةٍ بالكاد تُلاحظ… ثم أكمل الرقص…
لكن هذه المرة، لم يكن يرقص فقط معها…
بل كان عالقًا بين عالمين: قلبٍ اختار…
وجذورٍ ترفض أن تُ.ع…
ومع مرور الوقت، بدأت أنغام الموسيقى تخفت تدريجيًا، وتحول الحفل من صخبٍ نابض بالحياة إلى لحظاتٍ هادئة تحمل طابع الوداع…
تجمع الحضور حول العروسين، تتعالى الأصوات بالدعوات الصادقة والتمنيات:
ربنا يسعدكم… حياة مليانة حب واستقرار… تكونوا دايمًا سعداء سند لبعض
كانت الابتسامـ . ـات حاضرة… والصور تُلتقط بكثافة، لكن خلف تلك اللحظات، كان لكلٍّ منهم شعور مختلف لا يُقال.
اقترب أحد الدبلوماسيين، صافحه بحرارة، ثم انحنى قليلًا نحو العروس مرحبًا بها، بينما تقدمت سيدة مصرية أكبر سنًا، احتضنته بحنان أمومي وهمست بغصة :
خلي بالك من نفسك… ومن بيتك.
أما العروس فكانت تستقبل الجميع برقي، تحاول أن تحفظ الأسماء، وتبادل الكلمـ . ـات بلغته، رغم أن بعض العبارات كانت تفلت منها بلكنةٍ واضحة… لكنها كانت صادقة.
وعند الباب، توقفت اللحظة…
تعلقت الأنظار بهما وهما يستعدان للمغادرة، يداً بيد.
لوح البعض… وانسابت خلفهما كلمـ . ـات الوداع والدعاء.
لكنه، قبل أن يخطو خارج القاعة، التفت نظرة سريعة للخلف…
نظرة لم تستغرق ثانية، لكنها كانت كفيلة أن تحمل كل شيء: النجاح… الفخر… والشيء الوحيد الذي لم يُحسم بعد.
ثم خرج… ليبدأ فصلًا جديدًا…
لا يعترف بالتصفيق، بل بما سيبقى بعده.
بعد وقت قليل دلفا الى شقة فى العاصمة مدريد، جذبته بجرآة نخو غرفة النوم..
أُغلِق باب الغرفة خلفهما أخيرًا…
هدأ الصخب، وسقطت كل الأقنعة الرسمية التي ارتدوها طوال الحفل.
وقفت أمامه، تبتسم تلمع عينيها بجرآة، كأنها لا تعرف الحياء…
بينما كان هو يراقبها بصمتٍ ثقيل، تتداخل داخله مشاعر متناقضة؛ رغبة، ارتباك… وشيء غير مُسمّى.
اقترب منها ببطء.لم تكن لحظة عادية بالنسبة له…
كان يحمل في داخله كل ما تربى عليه، كل ما زرعته والدتع من تصورات… وكل ما حاول أن يتجاهله من أجلها.لكن…
توقفت اللحظة فجأة.
ليس بسبب فعلٍ واضح… بل إحساس.
تراجع قليلًا، حاجباه انعقدا دون وعي، وكأن شيئًا ما لم يتطابق مع الصورة التي رسمها في ذهنه لسنوات.
نظرت إليه بقلق قائلة بالاسبانيه:
ما بك.




