صاحب الجلالة

فتح عينيه دفعة واحدة، واختفى أثر النعاس كأن لم يكن، اعتدل في جلسته واضعًا قدمه على الأرض، ونبرته تحولت للجدية الحادة: اتكلم… إيه اللي حصل.
ساد صمت لثوانٍ قبل أن يأتيه الرد:
ملف المناقصة بتاع وزارة الاسكان إتسرب.
تجمدت ملامحه، وضاق بؤبؤاه بخطرٍ يتشكل، مرر يده في شعره للخلف وهو ينهض واقفًا: إزاي ومين اللي سرب الملف.
أجابه:
لسه مش واضح… بس في شكوك.
قبــ,,ـــــض على الهاتف بقوة حتى ابيضت مفاصله، وصوته خرج منخفضًا لكنه يحمل تهديدًا صريحًا:
اقفل كل حاجة… ومحدش يتحرك غير لما أوصل.
أغلق الخط دون انتظار رد، ظل واقفًا للحظة يحدق في الفراغ، ثم اندفع نحو حمام غرفته…
وقف أسفل المياه، تركها تنهمر فوق رأسه حتى بدأت تميل للبرودة، لكنه لم يتحرك. أغمض عينيه، وأسند كفيه على الجدار أمامه، وأنفاسه تتثاقل شيئًا فشيئًا…
لم يكن الغضب بسبب ضياع الملف وحده… ولا حتى بسبب الاتصال المزعج الذي انتزعه من نومه بعنــ,,ـــــف…
بل كان هناك شيء آخر… شيء أعمق،
ذلك الحلم..وتلك الضبابية التي أصبحت ساكنة مضجعة منذ تلك الليلة،يشعر كأن جسده الذي كان يلتصق بإمرأة مختلفة كل ليلة،أصبح يرفض إقترابهن..بل يشمئز منهن…ماذا فعلت به منذ تلك الليلة هل ألقت عليه سحرًا…
زفر بحدة، ومرر يده على وجهه المبلل، كأنه يحاول محو أثرها… لكن دون جدوى.
ما زالت صورتها عالقة… بل حاضرة بقوة غريبة…
تمتم بصوتٍ منخفض، يحمل ضيقًا حقيقيًا: إيه اللي حصل لي…ليه شاغلة بالي.
زفر نفسه بحِيرة يلوم نفسه
هو الذي اعتاد أن يبدل فى النساء كما يبدل ملابسه، أصبح فجأة ينفر… يبتعد… بل ويشمئز..
حتى لمسة عابرة أصبحت تثير بداخله ضيقًا غير مبرر… فتح عينيه ببطء، ورفع وجهه نحو اندفاع الماء، كأنه يعاقب نفسه أو يحاول أن يستفيق من شيءٍ لا يفهمه… همس بسؤال:
مش معقول… ده ولا كأنها سحرت لك.
تردد صوته هذه المرة، ممتزجًا بحيرة حقيقية:
عملت فيا إيه بس من ليلة واحدة.
توقفت يده في الهواء لثواني قبل أن يقبــ,,ـــــضها بقوة، وملامحه تشددت:
ولا سحر إيه… أنا مش عيل.
لكن رغم إنكاره…
كان يشعر أن الأمر أكبر من مجرد صدفة.
أغلق المياه فجأة، وبقي واقفًا للحظة، الماء يتساقط من جسده، وعيناه شاردتان في الفراغ… كأنه يحاول استرجاع كل تفصيلة… كل إحساس.




